Saturday, 24 October 2026

جاري التحميل...

جاري التحميل...

عاجل
الراعي من إيليج: حماية لبنان تبدأ بحصر السلاح بيد الدولة... والجنوب ليس ورقة تفاوض

الراعي من إيليج: حماية لبنان تبدأ بحصر السلاح بيد الدولة... والجنوب ليس ورقة تفاوض

September 20, 2026

المصدر:

وكالة الأنباء المركزية

احتفل صاحب الغبطة والنيافة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي بالقداس الإلهي في سيدة إيليج، في الذكرى السنوية لشهداء المقاومة اللبنانية، في مناسبة حملت هذا العام شعار «طوبى لصانعي السلام»، واستعادت ذكرى الذين بذلوا حياتهم دفاعًا عمّا آمنوا به من حرية وكرامة ووجود وطني.
وكان البطريرك الراعي قد انطلق من بكركي يرافقه النائب البطريركي العام المطران الياس نصار، وأمين السر العام في البطريركية المارونية الأب فادي تابت، وأمين السر الخاص الخوري كاميليو مخايل. ولدى وصوله إلى إيليج، كان في استقباله عدد من الفعاليات الروحية والسياسية والاجتماعية وحشد من المؤمنين.
وعاون غبطته في القداس النائب البطريركي العام المطران الياس نصار، وراعي أبرشية جبيل المارونية المطران ميشال عون، وراعي أبرشية البترون المارونية المطران منير خيرالله، ورئيس دير سيدة ميفوق الأب ناجي أبي سلوم، إلى جانب عدد من الكهنة والرهبان.
وشارك في الاحتفال حشد من الشخصيات والفعاليات الروحية والسياسية والاجتماعية، من بينهم النائب غياث يزبك، والنائب السابق سامر سعادة، وسماحة العلامة علي الأمين، ولفيف من السياسيين ورجال الدولة، إلى جانب حشد من المؤمنين.

عون: حضور الراعي إلى إيليج يزرع الأمل والسلام

وفي مستهل القداس، ألقى المطران ميشال عون كلمة ترحيبية، أهّل فيها بصاحب الغبطة، مستذكرًا خدمته السابقة على رأس أبرشية جبيل، ومعتبرًا أن حضوره السنوي إلى إيليج يزرع الأمل ويعزز تمسك أبناء المنطقة بأرضهم وبلبنان، وطن الرسالة. وتوقف عند شعار المناسبة «طوبى لصانعي السلام»، مستلهمًا دعوة البابا لاون إلى اللبنانيين لعيش السلام، ومؤكدًا أن السلام، وإن كان عطية من الله، يبقى مشروعًا يتطلب المصالحة مع الله واحترام الكرامة البشرية، فرديًا وجماعيًا. وتوجه إلى البطريرك الراعي مؤكدًا أنه يبشر بالسلام ويعمل من أجله، وأن مجيئه إلى الأبرشية يحمل رسالة سلام ورجاء إلى لبنان وأبنائه.

الراعي: من يريد أن يكون كبيرًا فليكن خادمًا

وبعد تلاوة الإنجيل المقدس، ألقى البطريرك الراعي عظة انطلق فيها من قول المسيح: «ابن الإنسان لم يأتِ ليُخدَم بل ليَخدُم، وليبذل نفسه فديةً عن كثيرين» (مر 10: 45)، جاعلًا من الخدمة مفتاحًا لقراءة معنى الشهادة والسلطة والمسؤولية العامة.
وتوقف عند مشهد يعقوب ويوحنا اللذين طلبا من يسوع أن يجلس أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره في المجد، فرأى أن المسيح أعاد تلاميذه من منطق الموقع إلى منطق الرسالة، ومن البحث عن الأولوية إلى معنى الخدمة، ومن الرغبة في السلطة إلى الاستعداد لبذل الذات.
وشدد الراعي على أن المسيح لا يلغي القيادة، بل يطهّرها من التسلط؛ ولا يلغي المسؤولية، بل يعطيها معناها الحقيقي. فالكبير، في المنطق الإنجيلي، ليس من يملك سلطة أكبر، بل من يستطيع أن يخدم أكثر، والمسؤول لا تقاس قيمته بموقعه وإنما بما يقدمه للناس الذين اؤتمن عليهم.
وربط غبطته هذا المعنى بالصليب، معتبرًا أن الصليب ليس مجرد رمز ترفعه الكنيسة، بل التعبير الأقصى عن محبة المسيح الذي أعطى ذاته حتى النهاية، ومن هذا البذل قرأ معنى الشهادة التي تستعيدها إيليج في هذه المناسبة.

«أعطوا من ذواتهم فكتب التاريخ أسماءهم»

ومن الإنجيل انتقل البطريرك إلى ذكرى شهداء المقاومة اللبنانية، مؤكدًا أن استذكارهم لا يعني الوقوف عند موتهم، بل أمام المعنى الذي أعطوه لحياتهم عندما جعلوا منها عطاءً من أجل قضية أكبر من ذواتهم.
وقال: «لم يطلبوا لأنفسهم مكانًا في التاريخ؛ لقد أعطوا من ذواتهم، فكتب التاريخ أسماءهم»، معتبرًا أنهم لم يقيسوا الوطن بمقدار ما يستطيع أن يعطيهم، بل بمقدار ما كانوا مستعدين لأن يعطوه.
وشدد على أن الوفاء للشهداء لا يكون بمجرد رفع صورهم أو استعادة أسمائهم ووقائع الماضي، بل بالعمل على بناء لبنان الذي من أجله بذلوا حياتهم: لبنان الحرية والكرامة والسيادة، والدولة القادرة على حماية أرضها وأبنائها.
كما استذكر عائلات الشهداء و«الشهداء الأحياء» الذين ما زالوا يحملون في أجسادهم جراح الحرب، معتبرًا أن الذاكرة ينبغي ألا تتحول إلى حزن مقيم أو إلى وقود لصراع جديد، بل إلى أمانة ومسؤولية تجاه المستقبل.

«طوبى لصانعي السلام»: السلام ليس استسلامًا

وتوقف البطريرك الراعي عند شعار المناسبة «طوبى لصانعي السلام»، مقدمًا قراءة للسلام تنطلق من الإنجيل وتلامس مباشرة واقع لبنان.
وأكد أن السلام لا يعني نسيان التضحيات أو إنكار الذاكرة أو التنازل عن الحقوق، كما أنه لا يعني الاستسلام للأمر الواقع، بل يحتاج إلى شجاعة وإرادة وعدالة وثبات على الحقيقة، ليكون سلام الأقوياء بالحق، لا سلام العاجزين عن الدفاع عنه.
وشدد على أن السلام المسيحي لا يقوم على محو الحقيقة من أجل مصالحة ظاهرية، بل على جعل الحقيقة طريقًا إلى العدالة والمصالحة. ومن هنا، أكد أن لبنان يحتاج إلى سلام يحفظ السيادة، ويحمي الإنسان والأرض، ويعيد إلى الدولة دورها ومرجعيتها الجامعة.
السلطة خدمة لا امتياز
وانطلاقًا من قول المسيح «لم يأتِ ليُخدَم بل ليَخدُم»، نقل الراعي مفهوم الخدمة إلى قلب الحياة الوطنية، معتبرًا أن هذه القاعدة الإنجيلية تشكل أيضًا معيارًا للمسؤولية العامة.
فالمنصب، بحسب مضمون عظته، يفقد معناه إذا تحول إلى امتياز شخصي، والسلطة تصبح تسلطًا عندما تنفصل عن الخدمة، والسياسة تفقد غايتها عندما تتحول إلى صراع على المواقع والحصص بدل أن تكون في خدمة الناس.
ودعا من هنا إلى استعادة مفهوم الدولة بوصفها خدمة: خدمة المواطن في الإدارة، والعدالة في القضاء، والحقيقة والمصلحة الوطنية في السياسة، وحماية المال العام في الاقتصاد، ووضع لبنان فوق كل ولاء أو مصلحة خاصة.

حماية لبنان تبدأ بحصر السلاح بيد الدولة

وفي أبرز المواقف الوطنية في عظته، أكد البطريرك الراعي أن حماية لبنان تبدأ بحصر السلاح بيد الدولة، وتكتمل بدولة واحدة وجيش قوي وسيادة كاملة وقرار وطني واحد.
ووضع قضية السلاح في صلب مفهوم الدولة، معتبرًا أن قرار الحرب والسلم ينبغي أن يكون من مسؤولية المؤسسات الشرعية، وأن الوطن الواحد لا يستطيع أن يعيش طويلًا بقرارات متوازية أو بمرجعيات متعددة في القضايا السيادية.
وربط بين الشرعية والمسؤولية، معتبرًا أن الدولة التي تتحمل مسؤولية حماية اللبنانيين وأرضهم ينبغي أن تكون هي صاحبة القرار، وأنه لا يمكن مطالبتها بتحمل المسؤولية فيما قرارها السيادي موزع أو منقوص.
ومن هنا دعا إلى دولة تستعيد كامل حضورها وسلطتها وثقة أبنائها، يكون جيشها مسؤولًا عن حماية الأرض والحدود، وتكون مؤسساتها الشرعية المرجع في القرارات المصيرية، ويشعر جميع اللبنانيين بأنهم تحت سقف قانون واحد وحماية واحدة.

الجنوب ليس ورقة تفاوض

وأولى البطريرك الراعي الجنوب حيزًا أساسيًا من موقفه، مؤكدًا أن «الجنوب ليس ورقة تفاوض»، بل أرض لبنانية وأهله مواطنون لهم الحق في الأمن والحياة والاستقرار والعودة إلى قراهم وأرضهم.
وشدد على أن حماية الجنوب وأهله مسؤولية وطنية، وأن ما يصيب الجنوب يصيب لبنان كله، داعيًا إلى وقف الاعتداءات وحفظ الأرض والحقوق وإعادة الاستقرار بصورة ثابتة تتيح للأهالي العيش في قراهم بأمان وكرامة.
وفي ما يتعلق بالمسار السياسي والدبلوماسي، أيد الراعي كل تفاوض جدي يحمي لبنان ويجنبه الحرب ويحقق الانسحاب ويحفظ الحقوق والسيادة والأمن والاستقرار، بحيث تكون الدبلوماسية وسيلة لحماية لبنان وتثبيت حقوقه، لا تنازلًا عنها.
وأكد في السياق نفسه أن لبنان لا يهرب من محيطه ولا يتخلى عن قضايا الحق، بل يؤدي رسالته من خلال الحوار والدفاع عن حقوق الشعوب، من دون أن يتحول هو نفسه إلى ساحة لصراعات تتجاوزه.

رجال دولة يضعون الوطن فوق مواقعهم

ووسع البطريرك دائرة المسؤولية لتشمل مجمل الحياة الوطنية، داعيًا في السياسة إلى رجال دولة يضعون الوطن فوق مواقعهم، وفي المجتمع إلى رفض لغة التحريض، وفي الإعلام إلى كلمة مسؤولة لا تحول الاختلاف إلى عداوة.
كما دعا إلى تربية الأجيال الجديدة بعيدًا من أحقاد الماضي، لأن الوفاء للشهداء لا يكون بإنتاج حروب جديدة، وإنما ببناء الدولة التي تجعل من تضحياتهم أساسًا لمستقبل أكثر أمنًا وسلامًا.

إنصاف الأساتذة المتعاقدين

وتطرق البطريرك الراعي إلى ملف تفرغ الأساتذة المتعاقدين في الجامعة اللبنانية، معتبرًا أن الممارسات المتراكمة على مدى سنوات أدت إلى خلل في التوازن الوطني، وداعيًا المعنيين إلى إعادة دراسة الملف في أسرع وقت ممكن وإقراره بما ينصف الأساتذة المستحقين، ويحفظ المعايير الأكاديمية ويراعي الشراكة والتوازن الوطنيين.

من إيليج: الوفاء للشهداء يكون ببناء الدولة

وهكذا، بنى البطريرك الراعي عظته على خيط واحد بدأ من الإنجيل وانتهى عند الدولة: الخدمة تقود إلى البذل، والبذل يعطي معنى للشهادة، والشهادة تصبح أمانة، والأمانة الوطنية تقتضي بناء الدولة وصناعة السلام.
فعبارة المسيح «لم يأتِ ليُخدَم بل ليَخدُم» تحولت إلى مقياس للسلطة والمسؤولية، فيما تحولت ذكرى الشهداء من استعادة للماضي إلى سؤال عن لبنان الذي ينبغي بناؤه بعد كل هذه التضحيات.
ومن إيليج، وضع الراعي معالم هذا اللبنان في دولة واحدة قادرة وعادلة، وسلاح شرعي تحت سلطتها، وجيش يحمي أرضها، وقرار حرب وسلم في يد مؤسساتها، وجنوب آمن يعود أبناؤه إلى قراهم، وسلام لا يلغي الحق ولا الذاكرة، بل يحولهما إلى أساس للمصالحة والاستقرار.

وفي ختام القداس، كانت كلمة لرئيس رابطة سيدة إيليج السيد تيدي أبو رجيلي، شدد فيها على أن استذكار الشهداء ينبغي أن يتحول إلى مسؤولية تجاه بناء الدولة، داعيًا إلى دولة واحدة وجيش واحد وقرار واحد في الحرب والسلم، وإلى العبور من ذاكرة الحرب والانقسام إلى ثقافة السلام والشراكة الوطنية.

 

Posted byKarim Haddad✍️

البطريرك الراعي يختتم زيارته اليونان بمحطة في كورينتوس
October 19, 2026

البطريرك الراعي يختتم زيارته اليونان بمحطة في كورينتوس

اختتم البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي زيارته اليونان بمحطة في مدينة كورينتوس، حيث أطلق مع مطرانها بولس مسار "درب مار بولس للحج الديني".

وكان البطريرك الراعي والوفد المرافق قد زاروا دار المطرانية في كورينتوس بعد ظهر الأحد حيث استقبلهم المطران بولس ومعاونه المطران اغاسيوس. وشكّل اللقاء مناسبة للتعارف والبحث في المشتركات بين الكنيستين المارونية والأرثوذكسية، وتعزيز العلاقات الأخوية بينهما، في ضوء النتائج الإيجابية لزيارة البطريرك الراعي إلى جبل آثوس المقدس. عرض الزائر الرسولي على موارنة اليونان المطران يوسف سويف أوجه التعاون القائم مع الكنيسة الأرثوذكسية وما يتيحه من فرص للقاء والتعاون وترسيخ الأخوّة.

من جهته، شرح الزميل جورج عرب مسار التعاون الذي انطلق عام 2019 بين ميتيورا في اليونان ووادي قنوبين في لبنان، والزيارات المتبادلة بين المنطقتين، مشيراً إلى العمل على إطلاق تعاون مماثل بين كورينتوس، التي بشّر فيها مار بولس، ووادي قنوبين، تحت عنوان "درب مار بولس للحج الديني". قدم بعدها عرب للمطران بولس كتاب "الوان قنوبين" الصادر ب٦ لغات ويتناول جوانب مكتوبة ومصورة من معالم الوادي المقدس وتاريخه.

اتُّفق على متابعة هذا المشروع بالتنسيق بين لجان السياحة الدينية التابعة للبطريركية المارونية ومجمع الكنيسة الأرثوذكسية في اليونان. اختُتم اللقاء بتبادل الهدايا التذكارية، فيما وجّه البطريرك الراعي دعوة إلى المطران بولس لزيارة لبنان واستضافته في الصرح البطريركي.

بعد ذلك، جال البطريرك الراعي ومطران كورينتوس المعاون أغابيوس وعدد من الكهنة والوفد اللبناني في المواقع الأثرية في كورينتوس القديمة شملت الجولة كنيسة مار بولس، المبنية على أنقاض مزار قديم، حيث اطّلع الوفد على لوحات الفسيفساء التي تجسّد اضطهاد مار بولس وترائي المسيح له وانطلاقه في التبشير في منطقة كورينتوس.

كما زار الوفد الموقع الأثري الذي جرت فيه محاكمة مار بولس، قبل الانتقال إلى مرفأ لوترا، الذي وصل إليه مار بولس، ومنه عبر إلى كورينتوس للتبشير فيها.

رافق البطريرك الراعي في جولته رئيسة المؤسسة المارونية للانتشار روز شويري ومديرتها هيام بستاني، رئيس المجلس العام الماروني المهندس ميشال متى،  جوهينا منيّر ممثلة الرابطة المارونية،والامينة العامة لمكتب تنمية السياحة الدينية التابع لمجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان سوزي الحاج ، ورئيسة مؤسسة ريّا الشدياق ماري الشدياق وقنصل منظمة فرسان مالطة في قبرص فادي رومانوس.

عشاء تكريمي: أقام رئيس بلدية برحليون السيد ربيع ديب عشاءً تكريمياً للبطريرك الراعي والوفد المرافق، في حضور سفير لبنان في اليونان كانج الحجل، والقنصل العام كوين سلامة اللذين شاركا ايضا في الجولة ولقاء المطران بولس في كورينتوس، ورئيس بلدية كورينتوس يورغوس يوانيس ، والمطران المعاون أغاسيوس.

رحّب ديب بالبطريرك الراعي والحاضرين، معتبراً أن الزيارة البطريركية تشكّل دعمًا إضافيًا للوجود الماروني في اليونان، وبابًا لتعميق العلاقات مع الكنيسة الأرثوذكسية.

بدوره، شكر البطريرك الراعي لديب مبادرته واهتمامه اللذين يعكسان محبته والتزامه.

إشارة إلى أن البطريرك الراعي والوفد المرافق عادوا إلى لبنان اليوم، مختتمين أول زيارة يقوم بها بطريرك ماروني إلى اليونان، وكان في وداعه السفير الحجل والقنصل سلامه ومدير مكتب المبدل إيست في أثينا غسان شيتي الذين واكبوا الراعي حتى مدخل الطائرة.

 

المطران إلياس عودة: المسيحي الحقيقي يرفض العنف والقتل
October 18, 2026

المطران إلياس عودة: المسيحي الحقيقي يرفض العنف والقتل

رأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس. وبعد قراءة الإنجيل ألقى عظة قال فيها: "يحدثنا إنجيل اليوم عن الجهاد في حياة الإنسان المسيحي الذي هو رسول يعيش في العالم، لكنه ليس من العالم، لأنه مدعو إلى العيش بحسب روح الإنجيل لا العالم، وهو يعمل في وسط الناس، ويخاطبهم بلغتهم، ويتحمل مسؤولياته اليومية، لكن قلبه متجه إلى المسيح. لذلك قال الرب يسوع لتلاميذه: «من سمع منكم فقد سمع مني، ومن رذلكم فقد رذلني، ومن رذلني فقد رذل الذي أرسلني». المسيح يحمل تلاميذه مسؤولية كبيرة ويجعلهم شهودا له في العالم. لم يقل لهم: إذهبوا وابحثوا عن مصالحكم ولا قال: إبحثوا عن إعجاب الناس وقبولهم كما يفعل بعض المكرسين المعاصرين، بل أرسلهم ليحملوا حضوره ورسالته. الشهادة للمسيح ليست مجرد كلام نقوله، أو شعائر ظاهرية، بل حياة ينبغي أن تحمل نور المسيح. قد يستطيع الإنسان أن يتكلم كثيرا على الإيمان لكن الأهم أن يرى الناس المسيح في سلوكه وتفاصيل حياته. يقول يعقوب الرسول:« كما أن الجسد بدون روح ميت، هكذا الإيمان أيضا بدون أعمال ميت» (يع 2: 26)".

أضاف: "عندما عاد التلاميذ فرحين وأخبروا الرب بأن الشياطين تخضع لهم باسمه، طلب منهم ألا يفرحوا بهذا «بل بالحري إفرحوا بأن أسماءكم كتبت في السماوات». الرب يصحح فرح الإنسان. فالخطر ليس فقط في أن نفشل، بل أيضا في أن ننجح بطريقة تجعلنا نفتخر بأنفسنا. قد نخدم الكنيسة ونعلم ونعظ ونقوم بأعمال كثيرة، وقد يرى الناس فينا بشرا ناجحين في الخدمة، لكن المسيح يريد أن يكون فرحنا الحقيقي في صدق وجدية علاقتنا به، لا في إنجازاتنا وصورتنا أمام الآخرين. قيمة الإنسان لا تكمن في عدد الذين أعجبوا به، ولا في عدد الذين سمعوا كلامه، ولا في المكانة التي وصل إليها أو الثروة التي جمعها، بل في أن يكون إسمه مكتوبا في السماء. هذا يقودنا إلى كلمات الرسول بولس في رسالة اليوم: «أسلكوا بحكمة من جهة الذين في الخارج، مفتدين الوقت». إن المسيحي المؤمن لا يهرب من العالم، ولا يحتقر الناس الذين يعيشون حوله، بل يعيش بينهم بحكمة. في زمننا هذا، حيث أصبحت الكلمة أو الصورة تنتشر بلحظة عبر الهاتف ووسائل التواصل الإجتماعي، صارت هذه الوصية أكثر إلحاحا. كلمة واحدة قد تجرح كرامة إنسان أو تشوه صورته، وتعليق واحد قد يهدم علاقة أو يدمر بيتا، ومنشور واحد قد يزرع خصومة أو يولد نزاعا. لذلك يقول الرسول: «ليكن كلامكم كل حين ذا لطف، مصلحا بملح».ليس المقصود أن نتكلم دائما بكلمات دينية ولاهوتية وعقائدية، بل أن تكون كلماتنا مسكونة بالنعمة. الإنسان المسيحي لا يعرف فقط بما يقوله أو يفعله داخل الكنيسة، بل بما يقوم به في بيته وعمله وعلى هاتفه وفي لحظة غضبه، وعند كل تجربة. قد تكون أعظم عظاتنا أحيانا أن نصمت عندما يكون الكلام جارحا، وأن نغفر عندما يكون الإنتقام سهلا، وأن نقول الحق من دون قسوة، ونرفض الكذب من دون أن نحتقر الكاذب".

وتابع: "يقول القديس يوحنا الذهبي الفم إن المؤمن ينبغي أن يكون «كتابا يقرأه الناس»، أي أن تصبح حياته نفسها شهادة للمسيح. الإنجيل لا يحتاج إلى أصواتنا فقط، بل إلى قلبنا، إلى أعمالنا. وإذا كان كلامنا على المحبة لا يرافقه غفران، وإذا كان حديثنا عن المسيح لا يرافقه تواضع ومحبة، لن يسمع الناس الإنجيل الذي ننطق به، لأن حياتنا تناقض أقوالنا. في نهاية الرسالة يذكر الرسول أسماء أشخاص كثيرين: مرقس، لوقا، ديماس وغيرهم. قد تبدو هذه الأسماء للوهلة الأولى تفصيلا عابرا، لكنها تكشف أمرا جميلا هو أن ملكوت الله يبنى بأشخاص حقيقيين، لكل منهم قصته وتعبه ودوره وشهادته. لا يوجد في الكنيسة إنسان بلا قيمة، ولا خدمة صغيرة أمام الله إذا كانت تقدم بمحبة".

وقال: "إنسان اليوم يملك آلاف العلاقات الإفتراضية، لكنه قد يفتقد شخصا واحدا يصغي إليه. هو إنسان يملك وسائل إتصال لا حصر لها، لكنه قد يعجز عن التواصل مع أقرب الناس إليه؛ يطلب المال والشهرة والنجاح والظهور، بينما يقول له المسيح: «إفرحوا بأن أسماءكم كتبت في السماوات». إنسان اليوم إعتاد عيش الأزمات والحروب كما اعتاد الحديث عن الأسلحة المدمرة والصواريخ البالستية والتجارب النووية والأساطيل التي تجوب البحار، وعن أعداد الضحايا والمفقودين والمأسورين والمنفيين والمهجرين دون أن يأتي بأية ردة فعل أحيانا، وكأن الحديث عن أرقام لا أشخاص، بشر خلقهم الله على صورته ومثاله، ومنحهم الكرامة التي يفتخر بها كل إنسان، ودون أن يتساءل عن الأموال الطائلة التي تهدر على الأسلحة عوض إنفاقها على ما يرفع مستوى الحياة البشرية، ويطعم الجياع، وينشر العلم، ويحارب الأمراض. المسيحي الحقيقي يرفض العنف والقتل وكل الأعمال الوحشية التي يشهدها بلدنا ومنطقتنا، كما يرفض احتقار الإنسان واستغلاله لغايات غير محمودة. نقرأ في سفر الأمثال: « من يسد أذنيه عن صراخ المسكين فهو أيضا يصرخ ولا يستجاب له» ( أم 21 : 13 )، أما بولس الرسول فيقول: « أذكروا المقيدين كأنكم مقيدون معهم، والمذلين كأنكم أنتم أيضا في الجسد» ( عب 13: 3 ). أما القديس إسحق السرياني فيؤكد: «كلما اقترب الإنسان من الله إتسعت دائرة رحمته فلا يعود يحب الله والإنسان فقط بل يتعلم أن يحب كل ما صنعه الله».

أضاف: "لنجعل من حياتنا شهادة هادئة للمسيح، ولنفتد الوقت لأنه عطية لا تتكرر ولا تعوض. لنحفظ ألسنتنا، لأن الكلمة قد تكون دواء أو جرحا. لنخدم دون أن نطلب المجد لأنفسنا، ولا نفرحن لأن الناس يعرفون أسماءنا، بل لأن المسيح يعرفنا بأسمائنا. وكما يعلم القديس إسحق السرياني، فإن القلب الذي ذاق محبة الله لا يستطيع أن يحتقر أحدا. هذه هي الشهادة التي يحتاج إليها عالمنا، حيث المسيحي لا يفرض المسيح على الآخرين، بل يجعلهم يرون شيئا من محبته وتواضعه وتضحيته في حياته وأفعاله".

وختم: "فلنطلب إلى الرب أن يمنحنا حكمة في الكلام، ونقاوة في القلب، وأمانة في الخدمة، وتواضعا في النجاح، وصبرا في التجارب، حتى تصبح حياتنا إنجيلا مفتوحا، وحتى يكون فرحنا الأخير، لا في تصفيق الأرض، بل في تلك العبارة التي نرجو أن نسمعها من فم الرب: «نعما أيها العبد الصالح والأمين... أدخل إلى فرح ربك» (مت 25: 21)".