
رسولُ أميركا الطوباويُّ الإعلاميُّ على دروبِ القداسةِ وهل تحتاجُ أميركا إلى رسولٍ آخرَ؟
October 14, 2026
المصدر:
Fr Nabil Mouanness
نعم، إنّه المطران جون فولتون شين(١٨٩٥-١٩٧٩) رسولُ الكلمةِ والبشارةِ، الذي حملَ البشرى السّعيدةَ على أجنحةِ النسرِ الأميركيّ، في بلادِ العمِّ سام، وفي عرينِ البشارةِ الإنجيليّةِ، وصولًا إلى قلبِ هوليوود، حيثُ كانتِ النجوميّةُ السينمائيّةُ تتألّقُ في زمنِ الدّعايةِ العالميّةِ، بالتزامنِ معَ صعودِ الأفكارِ الراديكاليّةِ الشيوعيّةِ والعلمانيّةِ والماديّةِ والإلحاديّةِ؛ تلك الأفكارُ التي كثيرًا ما تتستّرُ وراءَ شعاراتٍ إنسانيّةٍ برّاقةٍ، وأخوّةٍ سطحيّةٍ، تُخفي تحتَ قشرتِهَا الجميلةِ نزعاتٍ مدمّرةً تسعى إلى إقصاءِ البُعدِ الرّوحيِّ من الوجودِ الإنسانيِّ، وإفراغ ِ الإنسان من جوهره المتعالي
ومن خلالِ بَرنامجِه الشّهيرِ «الحياةُ تستحقّ أن تُعاش» (Life Is Worth Living)، استطاعَ المطران شين أنْ يُخاطبَ الإنسانَ في أعماقِ وجودِه، وأنْ يُلامس الأسئلةَ الكبرى التي تُؤرقُه: ما معنى الحياةُ؟ ولماذا نعيشُ؟ وأين نجدُ الحقيقةَ التي تمنحُ وجودَنا غايتَه وقيمَتَه؟
لقد نجحَ في اختراقِ الحواجزِ بين الكنائسِ والطوائفِ، وفتحَ نوافذَ الحوارِ أمامَ مختلفِ النّاسِ، مؤمنينَ كانوا أم باحثينَ عنِ الإيمانِ، فزرعَ الرّجاءَ حيث استوطنَ الشكُّ، وأيقظَ الضمائرَ حيث خيّمَ الضَّياعُ. خاطبَ العقولَ بمنطقِ الفيلسوفِ، وعمقِ اللاهوتيّ، ودقّةِ المحلّلِ النفسيّ، وجرأةِ النبيّ، مستندًا إلى الكلمةِ الإلهيّةِ وإلى فهمٍ عميقٍ للنّفسِ البشريّةِ.
وكان جوهرُ رسالتِه، إعلانًا لفرح ِ المسيح ِ القائمِ من بينِ الأمواتِ، وصدىً لصوتِ الحبِّ الإلهيّ الذي يُلاحقُ الإنسانَ حتّى في وَحدتِه وضَياعِه. وكأنّه كان يهمُس في أذنِ كلِّ مستمع ٍ ومشاهدٍ، ويقولُ له، بلسانِ الإنجيلِ وقلبِ الرّاعي: «اللهُ يُحبّك!»
فإذا كانت أميركا تحتاجُ إلى رسولٍ جديدٍ، فإنّ هذا الرسولَ قد نهضَ من أرضِها، وارتقى دروبَ القداسةِ، حاملًا مشعلَ الإنجيل إلى العالمِ.
ولكنّ الأجملَ في حكايةِ هذا الرّسولِ الأميركيِّ أنّه أعادني إلى رسولٍ مشرقيٍّ آخرَ، لم يكن بعيدًا عن روحي، بل كان قريبًا من وجداني ودمّي ودعوتي. إنّه رجلٌ عرفَ الإعلامَ رسالةً، والثقافةَ جسرًا، والكلمةَ وسيلةً للعبورِ إلى الإنسانِ؛ إنّه عمّي الحبيبُ، الأبُ يوسف مونّس، الأستاذُ والدكتور والبروفسور، والرّاهبُ والكاهنُ والباحثُ في الأنثروبولوجيا، والإعلاميُّ الكبيرُ.
إنّه ذاك الذي علّمني وربّاني وثقّفني، والذي حمل، على غرار المطران شين، مشعلَ البشارةِ السّعيدةِ إلى عوالمَ الأثير ِ والجامعاتِ والمسارح ِ، فجمع بين الفكرِ والإيمانِ، وبين البحثِ العلميّ والشّغفِ الرّوحيّ، وبين الثقافةِ الإنسانيّةِ والرّسالةِ الكهنوتيّةِ.
كتبَ وألّفَ وتركَ آثارًا في ميادينِ البطولةِ والقداسةِ، وكان «مآثرُ في البطولةِ والقداسةِ» عنوانًا لأحدِ كتبِه، كما خاضَ غمارَ التاريخ ِ واللاهوتِ، باحثًا عن جذورِ الإنسانِ ومعنى وجودِه، وعنِ العلاقةِ العميقةِ التي تربطُ الإيمانَ بالثقافةِ، والهويّةَ بالتاريخ ِ، والإنسانَ بأرضِه وبالكون الذي يحتضنُه.
ويكفيه فخرًا أنّه أدّى دورَ البطولةِ في أوّلِ فيلم ٍ يتناولُ حياةَ القدّيسِ شربل؛ وكأنّ هذا القدّيسَ اللبنانيَّ الذي انطلقَ من صومعتِه الصغيرةِ إلى آفاقِ العالمِ، قد وجدَ في الفنِّ والإعلامِ نافذةً أخرى تُعرّفُ النّاسَ بقداستِه، وتكشِفُ لهم سرَّ الحياةِ التي تتغذّى من الصّمتِ والصلاةِ والتجرّد.
لقد أسهمَ الأب البروفسور مونّس في تعميقِ فهمِنا لفلسفةِ الوجودِ، وفي الكشفِ عنِ الجذورِ التي تمنحُ الشخصيّةَ اللبنانيّةَ تميّزَها، وتؤهّلُها للانفتاح على العالميّة، لا عبر التخلّي عن تاريخِها، بل عبرَ التعمُّق فيه؛ ولا عبرَ الانفصال عن جذورِها، بل عبرَ الغوصِ في علوم ِ الإنسانِ والمجتمعِ، وعلمِ النّفسِ والجغرافيا، والجغرافيا السياسيّةِ، وتاريخ ِ الجماعاتِ المتعدّدةِ الإثنيّاتِ والثقافاتِ.
فالإنسانُ، في رؤيتِه، ليس كائنًا جامدًا حبيسَ جغرافيا واحدةٍ، ولا مجرّدَ وريثٍ لهويّةٍ مغلقةٍ؛ إنّه الإنسانُ الحضاريُّ، المسافرُ في التّاريخ ِ، العابرِ للمدائنِ والصّحارى والحدودِ، المتبدّلِ في عالمٍ لا يكفّ عنِ التحوّلِ، والباحثِ باستمرارٍ عن معنى يربطُ ماضِيَه بحاضرِه، وأرضَه بأفقِه، وهويّتَه بالإنسانيّةِ جمعاءَ.
وهنا ينهضُ السّؤالُ: هل ضاقتْ بنا الأرضُ، أم أنّ السّماءَ أخذتْ تستردّ أبناءَها من الأرضِ؟
إنّ الأبّ البروفسور مونّس ليسَ مجرّدَ مثقّفٍ ينتمي إلى زمنِه، ولا صاحبَ رسالةٍ تنتهي بانتهاءِ حضورِه الأرضيّ؛ إنّه، في نظري، رسولُ اللقاءِ، وصانعُ جسورِ العبورِ من عالمٍ إلى آخرَ، ومن ثقافةٍ إلى أُخرى، ومنَ الإنسانِ الذي يبحثُ عنِ الحقيقةِ إلى الحقيقةِ التي تنتظرُ الإنسانَ.
إنّه ابنُ الأرزِ المتأصّلِ في أرضِه، والمتجذّرُ في إيمانِه، والمنفتحُ على العالمِ، الذي يحملُ في وجدانِه إيمانَ الكنيسةِ الجامعةِ، المستندَ إلى حقيقةِ المسيح ِ، وإلى الإيمانِ الذي أعلنَه الآباءُ في مجمع ِ نيقية، حيث بقيَ المسيحُ حجرَ الزّاويةِ، وبقيتِ الكنيسةُ قائمةً على رجاءٍ لا يزولُ، لأنّ أساسَها هو اللهُ الحيّ، القديرُ، الأزليُّ، الباقي إلى الأبدِ.
وهكذا، بين رسولِ أميركا، المطران جون فولتون شين، ورسولِ المشرقِ العربي الأب البروفسور يوسف مونّس الذي حمل هموم الأمة وقضيتها ، أرى خيطًا روحيًّا يجمعُ بينَهما، على الرّغمِ من اختلافِ الأزمنةِ والبيئاتِ: إنّه الإيمانُ بأنّ الإعلامَ ليس مجرّدَ صناعةٍ للصورةِ، ولا مجرّدَ وسيلةٍ لنقلِ المعلوماتِ، بل يُمكن أن يُصبحَ رسالةً للحقّ، ومنبرًا للحوارِ، وجسرًا للمحبّةِ، وطريقًا يقودُ الإنسانَ إلى اكتشافِ الله واكتشافِ ذاتِه.
إنّني، بكلمةٍ واحدةٍ، أبشّركم برُسُلِ العالَمِ الجديدِ؛ عالمٍ لا تقومُ عظمتُه على قوّةِ المالِ أو سطوةِ الصّورةِ، بل على سلطانِ الحبِّ الإلهيِّ، الذي يختارُ من بين أبناءِ البشرِ شهودًا وأنبياءَ، ليحملوا نورَه إلى القلوبِ المتعطّشةِ إلى الحقيقةِ.
فطوبى لمَن يجعلُ من علمِه رسالةً، ومن كلمتِه شهادةً، ومن حضورِه جسرًا بين النّاسِ، ومن إيمانِه نورًا في دروبِ الحياةِ.
وطوبى لمَن يقرأُ هذه البشارةَ، ولا يكتفي بحفظِ كلماتِها، بل يغرسُ بذورَها في أعماقِ قلبِه، ويسقيها بالصّلاةِ، وينمّيها بأعمالِ الرّحمةِ، حتّى يصبحَ هو نفسُه رسولًا للمحبّةِ في عالمٍ أنهكتْه الصراعاتُ، وأتعبتْه الانقساماتُ، وما زالَ يبحثُ عنِ السّلام.
فمَن يفتحُ قلبَه للحبِّ الإلهيِّ، ويجعلُ منهُ نبضَ حياتِه ورسالةَ وجودِه، يسلكُ دربَ الخلاصِ، ويكتشفُ أنّ الحياةَ، حقًّا، تستحقُّ أن تُعاش.
Fr Nabil Mouanness
Pastor of Our Lady Of Lebanon
500 Alameda
Norman Ok 73071
Posted byKathy Ghantous✍️

