Saturday, 24 October 2026

جاري التحميل...

جاري التحميل...

عاجل
logo

رسولُ أميركا الطوباويُّ الإعلاميُّ على دروبِ القداسةِ وهل تحتاجُ أميركا إلى رسولٍ آخرَ؟

October 14, 2026

المصدر:

Fr Nabil Mouanness

نعم، إنّه المطران جون فولتون شين(١٨٩٥-١٩٧٩) رسولُ الكلمةِ والبشارةِ، الذي حملَ البشرى السّعيدةَ على أجنحةِ النسرِ الأميركيّ، في بلادِ العمِّ سام، وفي عرينِ البشارةِ الإنجيليّةِ، وصولًا إلى قلبِ هوليوود، حيثُ كانتِ النجوميّةُ السينمائيّةُ تتألّقُ في زمنِ الدّعايةِ العالميّةِ، بالتزامنِ معَ صعودِ الأفكارِ الراديكاليّةِ الشيوعيّةِ والعلمانيّةِ والماديّةِ والإلحاديّةِ؛ تلك الأفكارُ التي كثيرًا ما تتستّرُ وراءَ شعاراتٍ إنسانيّةٍ برّاقةٍ، وأخوّةٍ سطحيّةٍ، تُخفي تحتَ قشرتِهَا الجميلةِ نزعاتٍ مدمّرةً تسعى إلى إقصاءِ البُعدِ الرّوحيِّ من الوجودِ الإنسانيِّ، وإفراغ ِ الإنسان من جوهره المتعالي

 

ومن خلالِ بَرنامجِه الشّهيرِ «الحياةُ تستحقّ أن تُعاش» (Life Is Worth Living)، استطاعَ المطران شين أنْ يُخاطبَ الإنسانَ في أعماقِ وجودِه، وأنْ يُلامس الأسئلةَ الكبرى التي تُؤرقُه: ما معنى الحياةُ؟ ولماذا نعيشُ؟ وأين نجدُ الحقيقةَ التي تمنحُ وجودَنا غايتَه وقيمَتَه؟

 

لقد نجحَ في اختراقِ الحواجزِ بين الكنائسِ والطوائفِ، وفتحَ نوافذَ الحوارِ أمامَ مختلفِ النّاسِ، مؤمنينَ كانوا أم باحثينَ عنِ الإيمانِ، فزرعَ الرّجاءَ حيث استوطنَ الشكُّ، وأيقظَ الضمائرَ حيث خيّمَ الضَّياعُ. خاطبَ العقولَ بمنطقِ الفيلسوفِ، وعمقِ اللاهوتيّ، ودقّةِ المحلّلِ النفسيّ، وجرأةِ النبيّ، مستندًا إلى الكلمةِ الإلهيّةِ وإلى فهمٍ عميقٍ للنّفسِ البشريّةِ.

 

 

وكان جوهرُ رسالتِه، إعلانًا لفرح ِ المسيح ِ القائمِ من بينِ الأمواتِ، وصدىً لصوتِ الحبِّ الإلهيّ الذي يُلاحقُ الإنسانَ حتّى في وَحدتِه وضَياعِه. وكأنّه كان يهمُس في أذنِ كلِّ مستمع ٍ ومشاهدٍ، ويقولُ له، بلسانِ الإنجيلِ وقلبِ الرّاعي: «اللهُ يُحبّك!»

 

فإذا كانت أميركا تحتاجُ إلى رسولٍ جديدٍ، فإنّ هذا الرسولَ قد نهضَ من أرضِها، وارتقى دروبَ القداسةِ، حاملًا مشعلَ الإنجيل إلى العالمِ.

 

 

ولكنّ الأجملَ في حكايةِ هذا الرّسولِ الأميركيِّ أنّه أعادني إلى رسولٍ مشرقيٍّ آخرَ، لم يكن بعيدًا عن روحي، بل كان قريبًا من وجداني ودمّي ودعوتي. إنّه رجلٌ عرفَ الإعلامَ رسالةً، والثقافةَ جسرًا، والكلمةَ وسيلةً للعبورِ إلى الإنسانِ؛ إنّه عمّي الحبيبُ، الأبُ يوسف مونّس، الأستاذُ والدكتور والبروفسور، والرّاهبُ والكاهنُ والباحثُ في الأنثروبولوجيا، والإعلاميُّ الكبيرُ.

 

إنّه ذاك الذي علّمني وربّاني وثقّفني، والذي حمل، على غرار المطران شين، مشعلَ البشارةِ السّعيدةِ إلى عوالمَ الأثير ِ والجامعاتِ والمسارح ِ، فجمع بين الفكرِ والإيمانِ، وبين البحثِ العلميّ والشّغفِ الرّوحيّ، وبين الثقافةِ الإنسانيّةِ والرّسالةِ الكهنوتيّةِ.

 

كتبَ وألّفَ وتركَ آثارًا في ميادينِ البطولةِ والقداسةِ، وكان «مآثرُ في البطولةِ والقداسةِ» عنوانًا لأحدِ كتبِه، كما خاضَ غمارَ التاريخ ِ واللاهوتِ، باحثًا عن جذورِ الإنسانِ ومعنى وجودِه، وعنِ العلاقةِ العميقةِ التي تربطُ الإيمانَ بالثقافةِ، والهويّةَ بالتاريخ ِ، والإنسانَ بأرضِه وبالكون الذي يحتضنُه.

 

ويكفيه فخرًا أنّه أدّى دورَ البطولةِ في أوّلِ فيلم ٍ يتناولُ حياةَ القدّيسِ شربل؛ وكأنّ هذا القدّيسَ اللبنانيَّ الذي انطلقَ من صومعتِه الصغيرةِ إلى آفاقِ العالمِ، قد وجدَ في الفنِّ والإعلامِ نافذةً أخرى تُعرّفُ النّاسَ بقداستِه، وتكشِفُ لهم سرَّ الحياةِ التي تتغذّى من الصّمتِ والصلاةِ والتجرّد.

 

لقد أسهمَ الأب البروفسور مونّس في تعميقِ فهمِنا لفلسفةِ الوجودِ، وفي الكشفِ عنِ الجذورِ التي تمنحُ الشخصيّةَ اللبنانيّةَ تميّزَها، وتؤهّلُها للانفتاح على العالميّة، لا عبر التخلّي عن تاريخِها، بل عبرَ التعمُّق فيه؛ ولا عبرَ الانفصال عن جذورِها، بل عبرَ الغوصِ في علوم ِ الإنسانِ والمجتمعِ، وعلمِ النّفسِ والجغرافيا، والجغرافيا السياسيّةِ، وتاريخ ِ الجماعاتِ المتعدّدةِ الإثنيّاتِ والثقافاتِ.

 

فالإنسانُ، في رؤيتِه، ليس كائنًا جامدًا حبيسَ جغرافيا واحدةٍ، ولا مجرّدَ وريثٍ لهويّةٍ مغلقةٍ؛ إنّه الإنسانُ الحضاريُّ، المسافرُ في التّاريخ ِ، العابرِ للمدائنِ والصّحارى والحدودِ، المتبدّلِ في عالمٍ لا يكفّ عنِ التحوّلِ، والباحثِ باستمرارٍ عن معنى يربطُ ماضِيَه بحاضرِه، وأرضَه بأفقِه، وهويّتَه بالإنسانيّةِ جمعاءَ.

 

وهنا ينهضُ السّؤالُ: هل ضاقتْ بنا الأرضُ، أم أنّ السّماءَ أخذتْ تستردّ أبناءَها من الأرضِ؟

 

إنّ الأبّ البروفسور مونّس ليسَ مجرّدَ مثقّفٍ ينتمي إلى زمنِه، ولا صاحبَ رسالةٍ تنتهي بانتهاءِ حضورِه الأرضيّ؛ إنّه، في نظري، رسولُ اللقاءِ، وصانعُ جسورِ العبورِ من عالمٍ إلى آخرَ، ومن ثقافةٍ إلى أُخرى، ومنَ الإنسانِ الذي يبحثُ عنِ الحقيقةِ إلى الحقيقةِ التي تنتظرُ الإنسانَ.

 

إنّه ابنُ الأرزِ المتأصّلِ في أرضِه، والمتجذّرُ في إيمانِه، والمنفتحُ على العالمِ، الذي يحملُ في وجدانِه إيمانَ الكنيسةِ الجامعةِ، المستندَ إلى حقيقةِ المسيح ِ، وإلى الإيمانِ الذي أعلنَه الآباءُ في مجمع ِ نيقية، حيث بقيَ المسيحُ حجرَ الزّاويةِ، وبقيتِ الكنيسةُ قائمةً على رجاءٍ لا يزولُ، لأنّ أساسَها هو اللهُ الحيّ، القديرُ، الأزليُّ، الباقي إلى الأبدِ.

 

وهكذا، بين رسولِ أميركا، المطران جون فولتون شين، ورسولِ المشرقِ العربي الأب البروفسور يوسف مونّس الذي حمل هموم الأمة وقضيتها ، أرى خيطًا روحيًّا يجمعُ بينَهما، على الرّغمِ من اختلافِ الأزمنةِ والبيئاتِ: إنّه الإيمانُ بأنّ الإعلامَ ليس مجرّدَ صناعةٍ للصورةِ، ولا مجرّدَ وسيلةٍ لنقلِ المعلوماتِ، بل يُمكن أن يُصبحَ رسالةً للحقّ، ومنبرًا للحوارِ، وجسرًا للمحبّةِ، وطريقًا يقودُ الإنسانَ إلى اكتشافِ الله واكتشافِ ذاتِه.

 

إنّني، بكلمةٍ واحدةٍ، أبشّركم برُسُلِ العالَمِ الجديدِ؛ عالمٍ لا تقومُ عظمتُه على قوّةِ المالِ أو سطوةِ الصّورةِ، بل على سلطانِ الحبِّ الإلهيِّ، الذي يختارُ من بين أبناءِ البشرِ شهودًا وأنبياءَ، ليحملوا نورَه إلى القلوبِ المتعطّشةِ إلى الحقيقةِ.

 

فطوبى لمَن يجعلُ من علمِه رسالةً، ومن كلمتِه شهادةً، ومن حضورِه جسرًا بين النّاسِ، ومن إيمانِه نورًا في دروبِ الحياةِ.

 

وطوبى لمَن يقرأُ هذه البشارةَ، ولا يكتفي بحفظِ كلماتِها، بل يغرسُ بذورَها في أعماقِ قلبِه، ويسقيها بالصّلاةِ، وينمّيها بأعمالِ الرّحمةِ، حتّى يصبحَ هو نفسُه رسولًا للمحبّةِ في عالمٍ أنهكتْه الصراعاتُ، وأتعبتْه الانقساماتُ، وما زالَ يبحثُ عنِ السّلام.

 

فمَن يفتحُ قلبَه للحبِّ الإلهيِّ، ويجعلُ منهُ نبضَ حياتِه ورسالةَ وجودِه، يسلكُ دربَ الخلاصِ، ويكتشفُ أنّ الحياةَ، حقًّا، تستحقُّ أن تُعاش.

 

Fr Nabil Mouanness 

Pastor of Our Lady Of Lebanon 

500 Alameda 

Norman Ok 73071

Posted byKathy Ghantous✍️

البطريرك الراعي يختتم زيارته اليونان بمحطة في كورينتوس
October 19, 2026

البطريرك الراعي يختتم زيارته اليونان بمحطة في كورينتوس

اختتم البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي زيارته اليونان بمحطة في مدينة كورينتوس، حيث أطلق مع مطرانها بولس مسار "درب مار بولس للحج الديني".

وكان البطريرك الراعي والوفد المرافق قد زاروا دار المطرانية في كورينتوس بعد ظهر الأحد حيث استقبلهم المطران بولس ومعاونه المطران اغاسيوس. وشكّل اللقاء مناسبة للتعارف والبحث في المشتركات بين الكنيستين المارونية والأرثوذكسية، وتعزيز العلاقات الأخوية بينهما، في ضوء النتائج الإيجابية لزيارة البطريرك الراعي إلى جبل آثوس المقدس. عرض الزائر الرسولي على موارنة اليونان المطران يوسف سويف أوجه التعاون القائم مع الكنيسة الأرثوذكسية وما يتيحه من فرص للقاء والتعاون وترسيخ الأخوّة.

من جهته، شرح الزميل جورج عرب مسار التعاون الذي انطلق عام 2019 بين ميتيورا في اليونان ووادي قنوبين في لبنان، والزيارات المتبادلة بين المنطقتين، مشيراً إلى العمل على إطلاق تعاون مماثل بين كورينتوس، التي بشّر فيها مار بولس، ووادي قنوبين، تحت عنوان "درب مار بولس للحج الديني". قدم بعدها عرب للمطران بولس كتاب "الوان قنوبين" الصادر ب٦ لغات ويتناول جوانب مكتوبة ومصورة من معالم الوادي المقدس وتاريخه.

اتُّفق على متابعة هذا المشروع بالتنسيق بين لجان السياحة الدينية التابعة للبطريركية المارونية ومجمع الكنيسة الأرثوذكسية في اليونان. اختُتم اللقاء بتبادل الهدايا التذكارية، فيما وجّه البطريرك الراعي دعوة إلى المطران بولس لزيارة لبنان واستضافته في الصرح البطريركي.

بعد ذلك، جال البطريرك الراعي ومطران كورينتوس المعاون أغابيوس وعدد من الكهنة والوفد اللبناني في المواقع الأثرية في كورينتوس القديمة شملت الجولة كنيسة مار بولس، المبنية على أنقاض مزار قديم، حيث اطّلع الوفد على لوحات الفسيفساء التي تجسّد اضطهاد مار بولس وترائي المسيح له وانطلاقه في التبشير في منطقة كورينتوس.

كما زار الوفد الموقع الأثري الذي جرت فيه محاكمة مار بولس، قبل الانتقال إلى مرفأ لوترا، الذي وصل إليه مار بولس، ومنه عبر إلى كورينتوس للتبشير فيها.

رافق البطريرك الراعي في جولته رئيسة المؤسسة المارونية للانتشار روز شويري ومديرتها هيام بستاني، رئيس المجلس العام الماروني المهندس ميشال متى،  جوهينا منيّر ممثلة الرابطة المارونية،والامينة العامة لمكتب تنمية السياحة الدينية التابع لمجلس البطاركة والاساقفة الكاثوليك في لبنان سوزي الحاج ، ورئيسة مؤسسة ريّا الشدياق ماري الشدياق وقنصل منظمة فرسان مالطة في قبرص فادي رومانوس.

عشاء تكريمي: أقام رئيس بلدية برحليون السيد ربيع ديب عشاءً تكريمياً للبطريرك الراعي والوفد المرافق، في حضور سفير لبنان في اليونان كانج الحجل، والقنصل العام كوين سلامة اللذين شاركا ايضا في الجولة ولقاء المطران بولس في كورينتوس، ورئيس بلدية كورينتوس يورغوس يوانيس ، والمطران المعاون أغاسيوس.

رحّب ديب بالبطريرك الراعي والحاضرين، معتبراً أن الزيارة البطريركية تشكّل دعمًا إضافيًا للوجود الماروني في اليونان، وبابًا لتعميق العلاقات مع الكنيسة الأرثوذكسية.

بدوره، شكر البطريرك الراعي لديب مبادرته واهتمامه اللذين يعكسان محبته والتزامه.

إشارة إلى أن البطريرك الراعي والوفد المرافق عادوا إلى لبنان اليوم، مختتمين أول زيارة يقوم بها بطريرك ماروني إلى اليونان، وكان في وداعه السفير الحجل والقنصل سلامه ومدير مكتب المبدل إيست في أثينا غسان شيتي الذين واكبوا الراعي حتى مدخل الطائرة.

 

المطران إلياس عودة: المسيحي الحقيقي يرفض العنف والقتل
October 18, 2026

المطران إلياس عودة: المسيحي الحقيقي يرفض العنف والقتل

رأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس. وبعد قراءة الإنجيل ألقى عظة قال فيها: "يحدثنا إنجيل اليوم عن الجهاد في حياة الإنسان المسيحي الذي هو رسول يعيش في العالم، لكنه ليس من العالم، لأنه مدعو إلى العيش بحسب روح الإنجيل لا العالم، وهو يعمل في وسط الناس، ويخاطبهم بلغتهم، ويتحمل مسؤولياته اليومية، لكن قلبه متجه إلى المسيح. لذلك قال الرب يسوع لتلاميذه: «من سمع منكم فقد سمع مني، ومن رذلكم فقد رذلني، ومن رذلني فقد رذل الذي أرسلني». المسيح يحمل تلاميذه مسؤولية كبيرة ويجعلهم شهودا له في العالم. لم يقل لهم: إذهبوا وابحثوا عن مصالحكم ولا قال: إبحثوا عن إعجاب الناس وقبولهم كما يفعل بعض المكرسين المعاصرين، بل أرسلهم ليحملوا حضوره ورسالته. الشهادة للمسيح ليست مجرد كلام نقوله، أو شعائر ظاهرية، بل حياة ينبغي أن تحمل نور المسيح. قد يستطيع الإنسان أن يتكلم كثيرا على الإيمان لكن الأهم أن يرى الناس المسيح في سلوكه وتفاصيل حياته. يقول يعقوب الرسول:« كما أن الجسد بدون روح ميت، هكذا الإيمان أيضا بدون أعمال ميت» (يع 2: 26)".

أضاف: "عندما عاد التلاميذ فرحين وأخبروا الرب بأن الشياطين تخضع لهم باسمه، طلب منهم ألا يفرحوا بهذا «بل بالحري إفرحوا بأن أسماءكم كتبت في السماوات». الرب يصحح فرح الإنسان. فالخطر ليس فقط في أن نفشل، بل أيضا في أن ننجح بطريقة تجعلنا نفتخر بأنفسنا. قد نخدم الكنيسة ونعلم ونعظ ونقوم بأعمال كثيرة، وقد يرى الناس فينا بشرا ناجحين في الخدمة، لكن المسيح يريد أن يكون فرحنا الحقيقي في صدق وجدية علاقتنا به، لا في إنجازاتنا وصورتنا أمام الآخرين. قيمة الإنسان لا تكمن في عدد الذين أعجبوا به، ولا في عدد الذين سمعوا كلامه، ولا في المكانة التي وصل إليها أو الثروة التي جمعها، بل في أن يكون إسمه مكتوبا في السماء. هذا يقودنا إلى كلمات الرسول بولس في رسالة اليوم: «أسلكوا بحكمة من جهة الذين في الخارج، مفتدين الوقت». إن المسيحي المؤمن لا يهرب من العالم، ولا يحتقر الناس الذين يعيشون حوله، بل يعيش بينهم بحكمة. في زمننا هذا، حيث أصبحت الكلمة أو الصورة تنتشر بلحظة عبر الهاتف ووسائل التواصل الإجتماعي، صارت هذه الوصية أكثر إلحاحا. كلمة واحدة قد تجرح كرامة إنسان أو تشوه صورته، وتعليق واحد قد يهدم علاقة أو يدمر بيتا، ومنشور واحد قد يزرع خصومة أو يولد نزاعا. لذلك يقول الرسول: «ليكن كلامكم كل حين ذا لطف، مصلحا بملح».ليس المقصود أن نتكلم دائما بكلمات دينية ولاهوتية وعقائدية، بل أن تكون كلماتنا مسكونة بالنعمة. الإنسان المسيحي لا يعرف فقط بما يقوله أو يفعله داخل الكنيسة، بل بما يقوم به في بيته وعمله وعلى هاتفه وفي لحظة غضبه، وعند كل تجربة. قد تكون أعظم عظاتنا أحيانا أن نصمت عندما يكون الكلام جارحا، وأن نغفر عندما يكون الإنتقام سهلا، وأن نقول الحق من دون قسوة، ونرفض الكذب من دون أن نحتقر الكاذب".

وتابع: "يقول القديس يوحنا الذهبي الفم إن المؤمن ينبغي أن يكون «كتابا يقرأه الناس»، أي أن تصبح حياته نفسها شهادة للمسيح. الإنجيل لا يحتاج إلى أصواتنا فقط، بل إلى قلبنا، إلى أعمالنا. وإذا كان كلامنا على المحبة لا يرافقه غفران، وإذا كان حديثنا عن المسيح لا يرافقه تواضع ومحبة، لن يسمع الناس الإنجيل الذي ننطق به، لأن حياتنا تناقض أقوالنا. في نهاية الرسالة يذكر الرسول أسماء أشخاص كثيرين: مرقس، لوقا، ديماس وغيرهم. قد تبدو هذه الأسماء للوهلة الأولى تفصيلا عابرا، لكنها تكشف أمرا جميلا هو أن ملكوت الله يبنى بأشخاص حقيقيين، لكل منهم قصته وتعبه ودوره وشهادته. لا يوجد في الكنيسة إنسان بلا قيمة، ولا خدمة صغيرة أمام الله إذا كانت تقدم بمحبة".

وقال: "إنسان اليوم يملك آلاف العلاقات الإفتراضية، لكنه قد يفتقد شخصا واحدا يصغي إليه. هو إنسان يملك وسائل إتصال لا حصر لها، لكنه قد يعجز عن التواصل مع أقرب الناس إليه؛ يطلب المال والشهرة والنجاح والظهور، بينما يقول له المسيح: «إفرحوا بأن أسماءكم كتبت في السماوات». إنسان اليوم إعتاد عيش الأزمات والحروب كما اعتاد الحديث عن الأسلحة المدمرة والصواريخ البالستية والتجارب النووية والأساطيل التي تجوب البحار، وعن أعداد الضحايا والمفقودين والمأسورين والمنفيين والمهجرين دون أن يأتي بأية ردة فعل أحيانا، وكأن الحديث عن أرقام لا أشخاص، بشر خلقهم الله على صورته ومثاله، ومنحهم الكرامة التي يفتخر بها كل إنسان، ودون أن يتساءل عن الأموال الطائلة التي تهدر على الأسلحة عوض إنفاقها على ما يرفع مستوى الحياة البشرية، ويطعم الجياع، وينشر العلم، ويحارب الأمراض. المسيحي الحقيقي يرفض العنف والقتل وكل الأعمال الوحشية التي يشهدها بلدنا ومنطقتنا، كما يرفض احتقار الإنسان واستغلاله لغايات غير محمودة. نقرأ في سفر الأمثال: « من يسد أذنيه عن صراخ المسكين فهو أيضا يصرخ ولا يستجاب له» ( أم 21 : 13 )، أما بولس الرسول فيقول: « أذكروا المقيدين كأنكم مقيدون معهم، والمذلين كأنكم أنتم أيضا في الجسد» ( عب 13: 3 ). أما القديس إسحق السرياني فيؤكد: «كلما اقترب الإنسان من الله إتسعت دائرة رحمته فلا يعود يحب الله والإنسان فقط بل يتعلم أن يحب كل ما صنعه الله».

أضاف: "لنجعل من حياتنا شهادة هادئة للمسيح، ولنفتد الوقت لأنه عطية لا تتكرر ولا تعوض. لنحفظ ألسنتنا، لأن الكلمة قد تكون دواء أو جرحا. لنخدم دون أن نطلب المجد لأنفسنا، ولا نفرحن لأن الناس يعرفون أسماءنا، بل لأن المسيح يعرفنا بأسمائنا. وكما يعلم القديس إسحق السرياني، فإن القلب الذي ذاق محبة الله لا يستطيع أن يحتقر أحدا. هذه هي الشهادة التي يحتاج إليها عالمنا، حيث المسيحي لا يفرض المسيح على الآخرين، بل يجعلهم يرون شيئا من محبته وتواضعه وتضحيته في حياته وأفعاله".

وختم: "فلنطلب إلى الرب أن يمنحنا حكمة في الكلام، ونقاوة في القلب، وأمانة في الخدمة، وتواضعا في النجاح، وصبرا في التجارب، حتى تصبح حياتنا إنجيلا مفتوحا، وحتى يكون فرحنا الأخير، لا في تصفيق الأرض، بل في تلك العبارة التي نرجو أن نسمعها من فم الرب: «نعما أيها العبد الصالح والأمين... أدخل إلى فرح ربك» (مت 25: 21)".