Thursday, 30 April 2026

جاري التحميل...

جاري التحميل...

عاجل
المطران الياس عودة: لنطلب من الرب أن يحول شكوكنا طريقا نحو الإيمان

المطران الياس عودة: لنطلب من الرب أن يحول شكوكنا طريقا نحو الإيمان

April 19, 2026

المصدر:

الوكالة الانباء المركزية

ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة، خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس. وبعد الإنجيل ألقى عظة بعنوان "المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموت بالموت، ووهب الحياة للذين في القبور". وقال فيها: "اليوم، في أحد الرسول توما، تدعونا الكنيسة للدخول إلى سر الإيمان من باب قد يبدو غريبا للوهلة الأولى، هو باب الشك. نقرأ في هذا اليوم إنجيل القيامة بحسب يوحنا (20: 19-31)، حيث يظهر الرب القائم من بين الأموات لتلاميذه، فيما توما غائب، ثم يأتي ثانية ويدعو توما إلى لمس جراحه فيصبح توما شاهدا حيا على القيامة. نقرأ أيضا من سفر أعمال الرسل (5: 12-20) أن يد الرب كانت تعمل في الكنيسة الأولى، حتى إن ظل بطرس كان يشفي المرضى، وقد بقي الرسل، رغم الإضطهاد والسجن، شهودا للقيامة، دون أي خوف. يبدأ المشهد الإنجيلي في مساء يوم القيامة، والتلاميذ مجتمعون والأبواب مغلقة «خوفا من اليهود». الخوف يملأ القلوب، والإرتباك يخيم على الجماعة. لكن المسيح يأتي ويقف في الوسط، رغم الأبواب المغلقة، ويقول: «السلام لكم». إنه سلام ليس من هذا العالم، سلام القيامة الذي يخترق الخوف ويبدد القلق ويحول الضعف إلى قوة".

أضاف: "توما لم يكن حاضرا، وعندما أخبره التلاميذ: «قد رأينا الرب»، لم يكتف بشهادتهم، بل قال: «إن لم أعاين أثر المسامير في يديه، وأضع إصبعي في أثر المسامير، وأضع يدي في جنبه لا أؤمن». بعد ثمانية أيام، أتى الرب مجددا، والأبواب مغلقة، ووقف في الوسط. لم يوبخ توما أو يرفضه، بل دعاه برفق قائلا: «هات إصبعك إلى ههنا وعاين يدي وهات يدك وضعها في جنبي ولا تكن غير مؤمن بل مؤمنا». الرب يعرف جراحنا الداخلية، ويقترب من ضعفنا، لا لكسرنا، بل لإقامتنا. فالشك، عندما يكون صادقا، ليس نهاية، بل قد يكون بداية إن قاد الإنسان إلى البحث الحقيقي عن الله. إنه الشك الذي يبتغي اليقين، وهو الذي يؤدي إلى الحقيقة. الكنيسة لا تقدم لنا توما كخاطئ مرفوض، بل كإنسان صادق في بحثه عن الحقيقة. هو لا يريد أن يؤمن بناء على أخبار ينقلها الآخرون، بل يطلب اختبارا شخصيا حيا. يرى القديس يوحنا الذهبي الفم في موقف توما تدبيرا إلهيا، إذ إن شكه صار سببا لتثبيت إيمان العالم. فلو لم يشك توما، لما لمس الجراح، ولو لم يلمس، لما أعلن إيمانه بتلك القوة واليقين صارخا: «ربي وإلهي». هكذا تحول الشك، الذي قاد إلى اللقاء بالمسيح، إلى أعمق اعتراف بالإيمان في الإنجيل كله".

وتابع: "في عالم اليوم، يعيش الإنسان صراعات كثيرة: شك في الله، شك في الآخر، شك في المستقبل. كثيرون يعيشون إيمانا موروثا، لكنه غير مختبر شخصيا، لذلك يتزعزع عند التجربة الأولى. أو يعيشون شكا في القريب فإما يبتعدون عنه أو يدينونه دون اللجوء إلى معرفة الحقيقة والإستناد عليها.  لذلك، يدفعنا شك توما إلى عدم الخوف من طرح الأسئلة التي تؤرقنا، وإلى جعل الشك جسرا نحو اللقاء بالمسيح الحي وبالإخوة. يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي: «إن عدم إيمان توما أفادنا أكثر من إيمان التلاميذ الآخرين، لأنه قادنا إلى الإيمان بالقيامة من خلال لمس الجراح». فالمسيح لا يخجل أن يري توما جراحه، لأن هذه الجراح هي علامة محبته. إنها الجراح التي بها شفينا، كما يقول النبي إشعياء. هكذا، فإن الإيمان المسيحي ليس فكرة مجردة، بل هو لقاء مع المسيح المصلوب والقائم من بين الأموات، الذي يحمل في جسده آثار محبته لنا. إذا انتقلنا إلى سفر أعمال الرسل، نرى ثمار هذا اللقاء. التلاميذ الذين كانوا خائفين خلف الأبواب المغلقة صاروا شهودا جريئين. كان الناس يأتون بالمرضى إلى الطرق ليقع عليهم ظل بطرس فيشفوا. أي تحول هذا؟ إنه تحول من الشك والخوف إلى الإيمان والشهادة. لكن هذا الإيمان لم يكن بلا ثمن. الرسل سجنوا وتعرضوا للاضطهاد. مع ذلك، فتح ملاك الرب أبواب السجن وأخرجهم وقال لهم: «أمضوا وقفوا في الهيكل وكلموا الشعب بجميع كلمات هذه الحياة». إن الإيمان الحقيقي لا يخزن في القلب، بل يعلن ويعاش ويشهد له، رغم الصعوبات".

وقال: "الترابط العميق بين الإنجيل وأعمال الرسل ظاهر في كون توما الذي نراه في الإنجيل يشك ويبحث، قد تحول في سفر أعمال الرسل إلى توما الذي يشهد للقيامة، مع سائر الرسل، بلا خوف. فاللقاء بالمسيح القائم يحول الإنسان من متردد إلى شاهد، من خائف إلى جريء، من منغلق على ذاته إلى منفتح على رسالة الكنيسة. في حياتنا اليوم، قد نختبر شكوكا في الصلاة وفي حضور الله وعدالته وتدبيره. لكن المهم ليس هل نشك بل ماذا نفعل بهذا الشك؟ هل نهرب منه إلى اللامبالاة، أم نحمله إلى المسيح؟ هل نغلق الأبواب كما فعل التلاميذ، أم ننتظر مجيئه في وسطنا؟ المسيح يأتي إلينا ولو كانت أبواب قلوبنا مغلقة. يقف في وسط حياتنا ويقول: «السلام لكم». يقدم ذاته لنا في الكنيسة والأسرار وكلمة الإنجيل، وفي القريب. إذا كنا نطلب أن نلمسه كما طلب توما، تعطينا الكنيسة هذا اللمس في الإفخارستيا، حيث نتحد بجسد الرب ودمه".

وختم: "يختم الرب كلامه لتوما بعبارة موجهة إلينا أيضا: «طوبى للذين لم يروا وآمنوا». هذه ليست دعوة إلى إيمان أعمى، بل إلى إيمان مبني على شهادة حية، وعلى اختبار الكنيسة عبر الأجيال. إنه إيمان يرى بعيون القلب، ويختبر حضور الله في عمق الحياة. فلنطلب إلى الرب أن يحول شكوكنا طريقا نحو الإيمان، وأن يفتح أعيننا لنراه حاضرا في حياتنا. ولنقل مع توما من عمق القلب والحياة: «ربي وإلهي». عندئذ، نصير نحن أيضا شهودا للقيامة في عالم يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى نور الإيمان وسلام المسيح".

 

Posted byKarim Haddad✍️

عودة في عيد القديس جاورجيوس: لنطلب شفاعته كي يعلمنا كيف نحمل صليبنا بفرح دون خوف
April 23, 2026

عودة في عيد القديس جاورجيوس: لنطلب شفاعته كي يعلمنا كيف نحمل صليبنا بفرح دون خوف

رأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة خدمة القداس الإلهي في كاتدرائية القديس جاورجيوس لمناسبة عيد القديس العظيم في الشهداء جاورجيوس اللابس الظفر وألقى عظة قال فيها: "المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموت بالموت، ووهب الحياة للذين في القبور. أحبائي، في هذا اليوم المبارك، تقيم كنيستنا المقدسة تذكارا للقديس العظيم في الشهداء جاورجيوس الحائز راية الظفر، وتقودنا الكلمة الإلهية التي سمعناها من إنجيل يوحنا إلى عمق سر الحياة المسيحية كما أعلنه الرب عندما قال: «بهذا أوصيكم أن يحب بعضكم بعضا. إن كان العالم يبغضكم فاعلموا أنه قد أبغضني قبلكم» (يو 15: 17-18). فالشهادة المسيحية ليست تفصيلا في تاريخ الكنيسة، بل هي ثمرة طبيعية للمحبة الحقيقية للمسيح، واختبار حي لنعمة الله التي تعمل في ضعف الإنسان. يضع الرب أساس الحياة الروحية في وصية المحبة، لأن «الله محبة» (1يو 4: 8)، ومن يثبت في المحبة يثبت في الله. هذه المحبة ليست كلاما، بل صليب. لذلك يقول القديس إغناطيوس الأنطاكي: «محبتي قد صلبت»، أي إن محبة المسيح في قلب المؤمن تقوده إلى البذل الكامل، حتى الموت. بهذا يتجلى سر الشهداء، وفي طليعتهم القديس جاورجيوس، الذي لم يكن إيمانه مجرد اعتقاد موروث، بل كان نارا حية أحرقت كل خوف في قلبه، وجعلته يختار المسيح مثالا لحياته، وقدوة".

اضاف:"في كلامه يربط الرب بين المحبة وبغض العالم. فحين يعيش المسيحي بمقتضى الحق والعدل والمحبة يصبح غريبا عن روح هذا الدهر. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: «لا تتعجب إن أبغضك العالم، لأن حياتك توبخه». النور يكشف الظلمة، لذلك تقاومه الظلمة. هكذا عاش القديس جاورجيوس، جنديا في جيش أرضي، لكن قلبه كان منتميا إلى الملكوت السماوي، فلم يساوم على الحق، أو يساير الباطل منكرا الإله الحق. القراءة من أعمال الرسل التي سمعناها قبل قليل تظهر لنا أن الرسول يواجه الإضطهاد، لكن الكلمة الأخيرة للرب الذي يرعى خرافه بعناية تفوق الوصف. فبطرس كان في السجن، مقيدا بسلاسل، تحت حراسة مشددة، وكأن النهاية قريبة، «وكانت الكنيسة تصلي إلى الله من أجله بلا انقطاع». يقول القديس يوحنا الذهبي الفم : «الصلاة أقوى من السلاسل، لأنها تفتح السماء». لذلك، لم يكن خروج بطرس من السجن بواسطة ملاك الرب مجرد عمل إعجازي، بل كان ثمرة شركة الكنيسة مع الله، حيث يعمل الروح القدس، ويحول المستحيل إلى ممكن. هذا عينه ما نراه في حياة القديس جاورجيوس. فالآلام التي احتملها لم تكن دليل هزيمة، بل كانت طريق مجد. يقول القديس باسيليوس الكبير: «إن الآلام الحاضرة ليست شيئا إن قيست بالمجد العتيد أن يستعلن فينا». فكلما اشتد العذاب وتضاعفت الآلام، كان إشراق النعمة يزداد في هذا القديس، حتى صار جسده المعذب منبرا يشهد لقوة الله. هنا يتجلى بوضوح أن الشهادة ليست بطولة إنسانية، بل نعمة إلهية تعطى لمن يسلم ذاته بالكامل للمسيح. هذا الترابط بين المحبة والاضطهاد والنعمة، يفسر دعوة الكنيسة لنا اليوم. فنحن لسنا مدعوين لنكرم القديس جاورجيوس وحسب، بل لنحيا روحه. يقول القديس مكسيموس المعترف: «من أحب الله حقا، لا يفضل شيئا عليه». بداية الطريق أن نضع المسيح في قلب حياتنا، لا على هامشها، وأن تكون قراراتنا وأفكارنا وعلاقاتنا منطلقة من المحبة التي أوصانا أن نحياها. هذا ما نأمل أن يتحقق في مؤسسات أبرشيتنا المحروسة بالله، التي تتخذ من القديس العظيم في الشهداء جاورجيوس شفيعا لها. فالعمل في المستشفى والجامعة وبيت القديس جاورجيوس، وفي سائر مؤسسات الأبرشية، هو المكان المناسب لتجلي هذه المحبة، رغم كل الصعوبات والإضطهادات التي قد تواجه من التزم العمل في حقل الرب. ونحن واثقون أن النعمة الإلهية لا بد أن تحضر في المكان الذي تعمل فيه المحبة بصدق وأمانة". 

تابع:" يا أحبة، سمعنا الرب في الإنجيل يقول: «إن كانوا اضطهدوني فسيضطهدونكم أنتم أيضا». و«ليس عبد أعظم من سيده». الكنيسة ليست فقط جماعة مصلية إنما أيضا جماعة تجسد الكلمة الإلهية في أعمال المحبة والرحمة والخدمة. فلكي تكون الكلمة الإلهية حية وفاعلة، هي تتجسد في المحبة. وإن لم تتحول إلى فعل محبة وخدمة تبقى مجرد تعليم نظري. إلهنا لم يكتف بالكلام بل تجسد وحمل أثقالنا ومات عنا. هل كثير إن نحن أحببنا كما أوصانا، وجسدنا محبتنا خدمة وبذلا وعطاء؟ لهذا أنشأت الكنيسة عبر التاريخ مؤسسات إستشفائية ورعائية وتربوية هدفها تجسيد المحبة التي أوصى بها الرب يسوع، والشهادة  لاسمه  في هذا العالم المادي المتقلب، حيث يصبح الثبات في الإيمان ضرورة. فالإضطهاد اليوم قد لا يكون بالسيف، لكنه حاضر بأشكال أخرى كالضغوط المعيشية، والإغراءات المادية، والحروب والقتل والظلم والتشكيك والإنتقاد والمساومة. المؤمن الحقيقي يعيش إيمانه بصدق وصبر وثبات، رغم كل الضيقات، متكلا على عون الله.  يقول القديس أثناسيوس الكبير: «الله صار إنسانا لكي يصير الإنسان إلها بالنعمة»، هذا يعني أن قوتنا ليست منا، بل من النعمة التي فينا. لذا، فالثبات ليس تشددا بشريا، بل هو اتحاد بالمسيح الذي يقوينا في كل حين. الشجاعة هي ثمرة هذا الإتحاد. الخوف يتبدد حين يختبر الإنسان حضور الله. يقول القديس إسحق السرياني: «من ذاق محبة الله لا يخاف شيئا». القديس جاورجيوس وقف أمام الملوك بلا رهبة، لأن قلبه كان ثابتا في الرب. هذه الشجاعة ليست حكرا على الشهداء، بل هي دعوة لكل مؤمن ليكون شاهدا للحق في حياته اليومية، في سلوكه مع الآخرين، وفي كل عمل يقوم به. بهذا الرجاء نتطلع إلى مدينتنا الحبيبة بيروت، التي اتخذت من القديس جاورجيوس شفيعا لها. هذه المدينة عاشت الزلازل والإضطهادات والحروب، وهزها انفجار كارثي خلف آلاما، وجراحا، وغصة لأن اهل بيروت المفجوعة لم يعرفوا بعد سبب ما حل بهم، والمسببين. لكن بيروت لم تفقد الرجاء، ونحن نؤمن بأن هذا القديس الذي غلب بقوة المسيح، ما زال حاميها، يرفعها في صلاته أمام عرش النعمة، ويشدد أهلها. وكما أخرج الرب بطرس من السجن، هو قادر أن يفتح أبواب الرجاء أمام هذه المدينة، وأن يقيمها من كل ضعف".

ختم:"يا أحبة، عيد القديس جاورجيوس ليس تذكارا من الماضي، بل دعوة حاضرة لنعيش الإنجيل بملئه: أن نحب حتى النهاية، وأن نثبت في وجه التجارب، وأن نثق بأن الله يعمل فينا، وأن نعيش على رجاء القيامة. فلنطلب شفاعة هذا القديس العظيم، لكي يعلمنا كيف نحمل صليبنا بفرح، ودون خوف من المضطهدين والظالمين، وكيف نحول حياتنا إلى شهادة حية للمسيح، آمين".

 

المطران عودة في قداس اثنين الباعوث: مدعوون لنكون شهودا للقيامة لا بالكلام فقط بل بالحياة
April 13, 2026

المطران عودة في قداس اثنين الباعوث: مدعوون لنكون شهودا للقيامة لا بالكلام فقط بل بالحياة

ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة صباح اليوم اثنين الباعوث، خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس. وبعد الإنجيل ألقى عظة بعنوان "المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموت بالموت، ووهب الحياة للذين في القبور".

وقال فيها: "في إثنين الباعوث، اليوم الذي يلي أحد القيامة المجيدة، ما زالت الكنيسة تعيش في إشعاع النور الفصحي، وتدخل شيئا فشيئا في سر الشهادة لهذا النور في العالم. نقرأ اليوم مقطعا من إنجيل يوحنا (1: 18-28) وآخر من سفر أعمال الرسل (1: 12-26)، لنفهم كيف ينتقل إعلان القيامة من حدث إلى رسالة كنسية حية. يقول الإنجيلي يوحنا: «الله لم يره أحد قط. الإبن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبر». هذه الآية هي مفتاح فهم كل التدبير الإلهي. فالإبن، كلمة الله المتجسد، هو الإعلان الكامل للآب. هنا، يظهر يوحنا المعمدان كشاهد لهذا الإعلان، لا كمصدر له. لذلك، عندما سأله اليهود: «من أنت؟» أجاب بوضوح: «لست أنا المسيح...أنا صوت صارخ في البرية» .

أضاف: "هذا التواضع العميق عند يوحنا المعمدان هو جوهر الشهادة الحقيقية. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم إن المعمدان «لم ينسب شيئا لنفسه، بل رد كل المجد إلى المسيح، لأن الشاهد الحقيقي لا يسرق مجد الذي يشهد له». إن الشهادة للمسيح تبدأ بنكران الذات، وبالإعتراف بأن النور ليس منا، بل فينا. والشاهد لا يعمل وحده بل مع الجماعة، كما جاء في سفر أعمال الرسل. فبعد صعود الرب «رجعوا إلى أورشليم من الجبل الذي يدعى جبل الزيتون » (أع 1: 12)، وكانوا «يواظبون بنفس واحدة على الصلاة والطلبات» (أع 1: 14). هذه الوحدة في الصلاة هي التي تهيئ الكنيسة لتكميل رسالتها. ومن بين أهم الأعمال التي قامت بها الجماعة الأولى، اختيار متياس رسولا بدل يهوذا. هذا الحدث ليس إداريا فحسب، بل لاهوتي عميق. الرسول يجب أن يكون «شاهدا لقيامته» (أع 1: 22)، أي إن الرسالة الرسولية ترتكز على اختبار حي للقيامة، لا على معرفة نظرية فقط. هذا الأمر هو الجامع بين إنجيل يوحنا وأعمال الرسل. فيوحنا المعمدان يشهد للنور الذي أتى إلى العالم، والرسل يشهدون للنور الذي غلب الموت.  كلاهما يشير إلى المسيح، المعمدان يهيئ الطريق، والرسل يعلنون اكتمال الخلاص".

وتابع: "في هذا اليوم تقرأ الكنيسة مقطعا آخر من إنجيل يوحنا (20: 19-25)، حيث يظهر الرب لتلاميذه وهم مجتمعون والأبواب مغلقة. «جاء يسوع ووقف في الوسط وقال لهم: السلام لكم» (يو 20: 19). هذا السلام ليس مجرد تحية، بل هو عطية القيامة، هو دخول المسيح القائم إلى عمق الخوف البشري. يقرأ هذا الإنجيل بلغات متعددة في إثنين الباعوث، في تقليد عريق يرمز إلى شمولية البشارة. فالقيامة ليست حدثا محليا أو محدودا، بل هي رسالة إلى كل الأمم، وكأن الكنيسة تعلن منذ اليوم الأول بعد الفصح أن هذا الخبر السار لا يحبس في لغة واحدة أو شعب واحد، بل يترجم إلى كل لغات العالم. هذا يرتبط مباشرة بما سيحدث في يوم العنصرة، حين «صاروا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا» (أع 2: 4). فالقراءة المتعددة اللغات هي استباق لعمل الروح القدس، وإعلان أن الكنيسة مدعوة لتكون جامعة، رسولية، تخاطب كل إنسان بلغته، وتدخل إلى ثقافته، دون أن تغير جوهر الرسالة. القديس كيرلس الأورشليمي يشرح هذا البعد قائلا: «كما تبلبلت الألسنة في بابل بسبب الكبرياء، هكذا توحدت في العنصرة بقوة الروح القدس». الكنيسة، منذ البداية، تعيش هذا البعد الوحدوي، حيث تتعدد الألسنة لكن الإيمان واحد، وتتنوع الثقافات لكن المسيح هو نفسه «أمس واليوم وإلى الأبد» (عب 13: 8).

وقال: "توما الرسول، الذي لم يكن حاضرا في الظهور الأول، يمثل الإنسان المتردد، الباحث عن الحقيقة، الذي يريد أن يرى ويلمس. عندما يقول: «إن لم أبصر... لا أؤمن» (يو 20: 25)، هو يعبر عن صراع داخلي نعرفه جميعا. لكن الرب لا يرفضه، بل يأتي إليه بعد ثمانية أيام، ويمنحه ما يحتاجه ليؤمن. يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي: «إن شك توما أفادنا أكثر من إيمان التلاميذ الآخرين، لأنه قادنا إلى يقين أعمق بالقيامة".

وختم: "في هذا اليوم نحن مدعوون لنكون شهودا للقيامة، لا بالكلام فقط، بل بالحياة. أن نحمل نور المسيح كما حمله يوحنا المعمدان، وأن نعيش وحدة الكنيسة كما عاشها الرسل، وأن ننفتح على العالم كما تفعل الكنيسة في قراءتها المتعددة اللغات. فلنسأل الرب أن يعطينا هذا القلب الشاهد، المتواضع، المنفتح، لكي نكون نحن أيضا «صوتا صارخا» في عالم يحتاج إلى نور القيامة".