Wednesday, 15 April 2026

جاري التحميل...

جاري التحميل...

عاجل
المطران عودة في قداس اثنين الباعوث: مدعوون لنكون شهودا للقيامة لا بالكلام فقط بل بالحياة

المطران عودة في قداس اثنين الباعوث: مدعوون لنكون شهودا للقيامة لا بالكلام فقط بل بالحياة

April 13, 2026

المصدر:

الوكالة الأنباء المركزية

ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة صباح اليوم اثنين الباعوث، خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس. وبعد الإنجيل ألقى عظة بعنوان "المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموت بالموت، ووهب الحياة للذين في القبور".

وقال فيها: "في إثنين الباعوث، اليوم الذي يلي أحد القيامة المجيدة، ما زالت الكنيسة تعيش في إشعاع النور الفصحي، وتدخل شيئا فشيئا في سر الشهادة لهذا النور في العالم. نقرأ اليوم مقطعا من إنجيل يوحنا (1: 18-28) وآخر من سفر أعمال الرسل (1: 12-26)، لنفهم كيف ينتقل إعلان القيامة من حدث إلى رسالة كنسية حية. يقول الإنجيلي يوحنا: «الله لم يره أحد قط. الإبن الوحيد الذي هو في حضن الآب هو خبر». هذه الآية هي مفتاح فهم كل التدبير الإلهي. فالإبن، كلمة الله المتجسد، هو الإعلان الكامل للآب. هنا، يظهر يوحنا المعمدان كشاهد لهذا الإعلان، لا كمصدر له. لذلك، عندما سأله اليهود: «من أنت؟» أجاب بوضوح: «لست أنا المسيح...أنا صوت صارخ في البرية» .

أضاف: "هذا التواضع العميق عند يوحنا المعمدان هو جوهر الشهادة الحقيقية. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم إن المعمدان «لم ينسب شيئا لنفسه، بل رد كل المجد إلى المسيح، لأن الشاهد الحقيقي لا يسرق مجد الذي يشهد له». إن الشهادة للمسيح تبدأ بنكران الذات، وبالإعتراف بأن النور ليس منا، بل فينا. والشاهد لا يعمل وحده بل مع الجماعة، كما جاء في سفر أعمال الرسل. فبعد صعود الرب «رجعوا إلى أورشليم من الجبل الذي يدعى جبل الزيتون » (أع 1: 12)، وكانوا «يواظبون بنفس واحدة على الصلاة والطلبات» (أع 1: 14). هذه الوحدة في الصلاة هي التي تهيئ الكنيسة لتكميل رسالتها. ومن بين أهم الأعمال التي قامت بها الجماعة الأولى، اختيار متياس رسولا بدل يهوذا. هذا الحدث ليس إداريا فحسب، بل لاهوتي عميق. الرسول يجب أن يكون «شاهدا لقيامته» (أع 1: 22)، أي إن الرسالة الرسولية ترتكز على اختبار حي للقيامة، لا على معرفة نظرية فقط. هذا الأمر هو الجامع بين إنجيل يوحنا وأعمال الرسل. فيوحنا المعمدان يشهد للنور الذي أتى إلى العالم، والرسل يشهدون للنور الذي غلب الموت.  كلاهما يشير إلى المسيح، المعمدان يهيئ الطريق، والرسل يعلنون اكتمال الخلاص".

وتابع: "في هذا اليوم تقرأ الكنيسة مقطعا آخر من إنجيل يوحنا (20: 19-25)، حيث يظهر الرب لتلاميذه وهم مجتمعون والأبواب مغلقة. «جاء يسوع ووقف في الوسط وقال لهم: السلام لكم» (يو 20: 19). هذا السلام ليس مجرد تحية، بل هو عطية القيامة، هو دخول المسيح القائم إلى عمق الخوف البشري. يقرأ هذا الإنجيل بلغات متعددة في إثنين الباعوث، في تقليد عريق يرمز إلى شمولية البشارة. فالقيامة ليست حدثا محليا أو محدودا، بل هي رسالة إلى كل الأمم، وكأن الكنيسة تعلن منذ اليوم الأول بعد الفصح أن هذا الخبر السار لا يحبس في لغة واحدة أو شعب واحد، بل يترجم إلى كل لغات العالم. هذا يرتبط مباشرة بما سيحدث في يوم العنصرة، حين «صاروا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا» (أع 2: 4). فالقراءة المتعددة اللغات هي استباق لعمل الروح القدس، وإعلان أن الكنيسة مدعوة لتكون جامعة، رسولية، تخاطب كل إنسان بلغته، وتدخل إلى ثقافته، دون أن تغير جوهر الرسالة. القديس كيرلس الأورشليمي يشرح هذا البعد قائلا: «كما تبلبلت الألسنة في بابل بسبب الكبرياء، هكذا توحدت في العنصرة بقوة الروح القدس». الكنيسة، منذ البداية، تعيش هذا البعد الوحدوي، حيث تتعدد الألسنة لكن الإيمان واحد، وتتنوع الثقافات لكن المسيح هو نفسه «أمس واليوم وإلى الأبد» (عب 13: 8).

وقال: "توما الرسول، الذي لم يكن حاضرا في الظهور الأول، يمثل الإنسان المتردد، الباحث عن الحقيقة، الذي يريد أن يرى ويلمس. عندما يقول: «إن لم أبصر... لا أؤمن» (يو 20: 25)، هو يعبر عن صراع داخلي نعرفه جميعا. لكن الرب لا يرفضه، بل يأتي إليه بعد ثمانية أيام، ويمنحه ما يحتاجه ليؤمن. يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي: «إن شك توما أفادنا أكثر من إيمان التلاميذ الآخرين، لأنه قادنا إلى يقين أعمق بالقيامة".

وختم: "في هذا اليوم نحن مدعوون لنكون شهودا للقيامة، لا بالكلام فقط، بل بالحياة. أن نحمل نور المسيح كما حمله يوحنا المعمدان، وأن نعيش وحدة الكنيسة كما عاشها الرسل، وأن ننفتح على العالم كما تفعل الكنيسة في قراءتها المتعددة اللغات. فلنسأل الرب أن يعطينا هذا القلب الشاهد، المتواضع، المنفتح، لكي نكون نحن أيضا «صوتا صارخا» في عالم يحتاج إلى نور القيامة".

 

Posted byKarim Haddad✍️

البطريرك الراعي: لبنان ليس وطنًا للدمار.. فإلى متى يبقى اللبناني يدفع ثمن الحرب المفروضة عليه؟
April 12, 2026

البطريرك الراعي: لبنان ليس وطنًا للدمار.. فإلى متى يبقى اللبناني يدفع ثمن الحرب المفروضة عليه؟

ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس عيد الرحمة الإلهية ومناسبة ذكرى اسبوع على رحيل الأخ نور، بدعوة من "تيلي لوميار" على مذبح كنيسة الباحة الخارجية للصرح البطريركي في بكركي "كابيلا القيامة "، عاونه فيه المطارنة حنا علوان، أنطوان عوكر، الياس نصار، أمين سر البطريركية العام الأب فادي تابت، أمين سر البطريرك الخاص الأب كميليو مخايل، الأب يونان عبيد، المرشد العام لجماعة الرحمة الإلهية الأب ميلاد السقيّم، ومشاركة عدد من المطارنة والكهنة والراهبات، في حضور وزير الاعلام المحامي د. الدكتور بول مرقص، النائب نعمة افرام وعقيلته، النائب السابق نعمة الله ابي نصر، رئيس المجلس العام الماروني  ميشال متى، رئيس مجلس ادارة "نور سات " المدير العام ل " تيلي لوميار" جاك كلاسي، عضو المؤسسة المارونية للانتشار سركيس سركيس، رئيس الاتحاد العمالي العام الدكتور بشاره الاسمر، عائلة المرحوم الأخ نور، عائلة " تيلي لوميار"، عائلة  جماعة الرحمة الإلهية، وقف سيدة العناية في ادونيس جبيل برئاسة الأب انطوان خضرا، وحشد من الفاعليات والمؤمنين من مختلف المناطق. 

بعد الإنجيل المقدس ألقى البطريرك الراعي عظة بعنوان:"طوبى للذين لم يروني وآمنوا (يو 20: 29) قال فيها: "إنّ إنجيل اليوم يضعنا أمام شخصية توما، ذاك التلميذ الذي عبّر عن شكّ الإنسان، عن حاجته إلى البرهان، عن رغبته بأن يلمس ليتأكد. لكن يسوع لا يرفضه، بل يلتقي به في ضعفه، ويدعوه إلى العبور من الشك إلى الإيمان. في تلك اللحظة، يتحوّل الشك إلى إعلان إيمان توما: «ربي وإلهي». فأجاب الرب يسوع: "لأنك رأيتني يا توما آمنت، طوبى للذين لم يروني وآمنوا" (يو 20: 29). وهكذا يعلن الرب يسوع الطوبى التي تشملنا نحن اليوم: الإيمان الذي لا يقوم على الرؤية، بل على الثقة. إن هذا الأحد، عيد الرحمة الإلهية، نكتشف أن الإيمان الحقيقي هو دخول في سرّ الرحمة. الرحمة الإلهية ليست مجرّد فكرة، بل هي عمق العلاقة بين الله والإنسان. إنها قلب الله المفتوح، الرحمة الإلهية هي قلب الله المفتوح الذي لا يغلق أبوابه أمام خطيئة الإنسان، ولا يرفض إنسانًا مهما ابتعد. الرحمة، في معناها اللاهوتي، أن الله يسبق الإنسان دائمًا بالمحبة، وأنه لا يتعامل معه بمنطق الحساب، بل بمنطق الغفران. الرحمة فعل خلاص، يعيد الإنسان إلى كرامته، ويقيمه من سقوطه".

وأضاف: "يسعدني أن أرحّب بكم جميعًا ولاسيما بجماعات الرحمة الإلهية التي تلتئم اليوم للاحتفال بعيدها الذي ثبّته القديس البابا يوحنا بولس الثاني في يوم الأحد الجديد الذي يلي عيد الفصح. وقد عمّمه على الكنيسة في 30 نيسان سنة 2000. دخلت عبادة الرحمة الإلهية إلى لبنان، بشكل واسع، في سنة 1996 وانطلقت الرسالة في نشر العبادة بتوزيع كتب الرحمة. منذ ذلك الوقت تأسست جماعات الرحمة الإلهية في لبنان وقد صار عددها لغاية آخر سنة 2025، 23 جماعة ملتزمة وناشطة".

وتابع: "تحافظ هذه الجماعات على روحانيتها القائمة على: تكريم أيقونة الرحمة الإلهية، الاحتفال بعيد الرحمة الإلهية في الأحد الأول بعد الفصح، صلاة مسبحة وتساعية الرحمة الإلهية، صلاة الساعة الثالثة في كل يوم حيثما وجدوا".

وأردف: "تنشط الجماعات من خلال انتسابها للكنيسة الكاثوليكية وتعاليمها، بتوجيه مرشدها العام الأب ميلاد السقّيم م.ل، وإشراف سيادة أخينا المطران بولس عبد الساتر راعي مرشدية جماعات الرحمة الإلهية في لبنان. تعمل هذه الجماعات أولاً على بناء البشر من خلال نشر العبادة والشركة والمشاركة، وعمل الرحمة بالدرجات الثلاث للرحمة كما طلب الرب يسوع: بالفعل والصلاة والكلمة المعزية".

وأضاف: "نوجّه تحية خاصّة لعائلة المرحوم الأخ نور: لشقيقه طوني بسيليس، وشقيقاته وعائلاتهم، ولأسرته الروحية: عائلة تيلي لوميار – نورسات، تجمّع أبناء الكنيسة، جماعة الروح القدس للرسالات، وأصدقاء المدرسة الرسمية. وقد غادرنا الأخ نور صباح يوم الجمعة العظيمة من الأسبوع الماضي. وفي ذلك علامة نبوية معزّية أنه مات مع المسيح ليقوم معه للمجد السماوي. فإنّا نصلّي لراحة نفسه وعزاء عائلته.

وقال: "الأخ نور هو إنسان اختار أن يبدّل مسار حياته، فترك حياته المريحة والمستقرة، وتوجّه نحو خدمة الإنسان المتألم. فأنشأ 27 مستوصفًا وعيادة طبّية، وصيدليات مجانية. انطلق من إيمانه ليكون قريبًا من الفقراء والمهمّشين، فحمل همّهم وجعل قضيته قضية الإنسان، وأوجد لهم مساكن، ومطاعم بالوجبات اليومية".

وأضاف: "خلال سنوات الحرب، سعى إلى نشر ثقافة السلام، فكان حاضرًا في المبادرات الإنسانية والاجتماعية، يعمل من أجل التلاقي لا الانقسام. آمن بدور التربية، فدعم المدرسة الرسمية، وساهم في تعزيز رسالتها. كما أدرك أهمية الإعلام، فأسّس إذاعة صوت المحبة وسلّمها للآباء المرسلين، وفي سنة 1990 أسس تيلي لوميار وكانت علامة مضيئة، حيث تحوّلت إلى رسالة إعلامية جامعة، تنشر النور في زمن الظلمة. وسنة 2003 أطلق فضائياتها نورسات، والفضائيات الأخرى. عاش ببساطة، وخدم بتجرّد، وفتح قلبه لكل إنسان محتاج، فصار حضوره ملجأً ورجاءً لكثيرين. نصلّي اليوم من أجل راحة نفسه، وعزاء أسرته. رحل الأخ نور، تاركًا وراءه مجموعة عظيمة من المحبة والرحمة، ومسؤولية إعلامية، ومسؤولية كنسية، ومسؤولية وطنية وإنسانية، مسؤولية قضية اسمها الإنسان".

وتابع: "نرحّب بوقف سيدة العناية في أدونيس جبيل برئاسة الأب أنطوان خضرا". 

وقال: "اليوم الأحد الجديد حلّ محلّ السبت اليهودي، لأنه يوم القيامة. إنّا نحتفل فيه بإله جديد، وإنسان جديد، وعالم جديد. نحتفل بإله جديد: هو إله ابراهيم واسحق ويعقوب أخذ وجهًا جديدًا هو الإله يسوع المسيح، أعلن بطرس الرسول: "فليعلم الجميع أنّ الله جعل يسوع هذا الذي صلبتموه أنتم ربًّا ومسيحًا" (أعمال 2/36). ونصلّي مع القدّيس افرام النصيبي: "نزل من السماء ربًّا، ومن حشا الأم خرج خادمًا. في الجحيم انحنى الموت أمامه، وفي القيامة الحياة عبدته. تبارك الله في يسوع المسيح!".

وأضاف: "نحتفل بإنسان جديد يتجلّى لنا على وجه المسيح القائم من الموت الذي يكشف الوجه الحقيقي لأبناء الله، وجه النعمة والحياة، بدلاً من وجه عبودية الموت والخطيئة. بقيامته أظهر أننا أبناء الله، على ما كتب بولس الرسول: "الدليل على أنكم أبناء هو أنّ الله أرسل إلى قلوبنا روح ابنه صارخًا: أبّا، أيها الآب! فأنت إذًا لم تعد عبدًا، بل أنت ابن؛ وإذا كنت ابنًا، فأنت أيضًا وارث بنعمة الله" (غلا 4/6-7)".

وأردف: "نحتفل بعالم جديد ينشأ، مع انتصار المسيح القائم من الموت، بعد تعذيب وتنكيل وظلم وآلام ونزاع، وقد أسمع السماء صراخ بائسي هذا العالم. مع المصلوب الممجّد يبدأ شيئًا فشيئًا بناء عالم جديد: بالقيامة أُعيد الرجاء إلى الأرض، والعدالة إلى الحبّ والحقيقة. فالحبّ والحقيقة اللذان صُلبا، قد قاما، وهما أقوى من الحقد والكذب".

وتابع: "فلننظر إلى واقعنا الوطني المضرّج بدماء الأبرياء. نحن نؤمن أن لبنان ليس وطنًا للدمار، وأن الظلم ليس الكلمة الأخيرة. لبنان يقف أمام مشهد لا يمكن السكوت عنه ولا القبول به كأنه أمر عابر. لقد شهدنا في الأيام الماضية وبخاصّة الأربعاء الأسود اعتداءً قاسيًا على كامل الأراضي اللبنانية، في مشاهد مؤلمة للغاية، خلال دقائق معدودة، وكأن حياة الإنسان عندنا أصبحت بلا وزن. نتساءل: هل أصبح الدم اللبناني رخيصًا إلى هذا الحد؟ أين الضمير العالمي أمام ما يجري؟ أين الإنسانية التي يُفترض أن تحمي الإنسان أينما كان؟ وبأي حق يعتدي المحاربون على المدنيين العُزَّل؟".

وقال: "الحرب مرفوضة بجملتها من الشعب اللبناني والدولة. فإلى متى يبقى الإنسان اللبناني يدفع ثمن هذه الحرب المفروضة عليه قسرًا؟ إلى متى تبقى أرضه ساحة مفتوحة للقتل والهدم والدمار والتهجير والتشريد؟ لبنان ليس ساحة. لبنان وطن. كرامة الإنسان اللبناني ليست مباحة وأرض لبنان ليست مستباحة. إنّ الإنسان في لبنان ليس أقل قيمة من أي إنسان آخر، وإن أرضه ليست ساحة مفتوحة لكل انتهاك. فكفى حروبًا، كفى اعتداءات، كفى جعل لبنان ساحة، كفى أن يُترك شعبه لمصير مجهول ويدفع ثمن ما لا يخصّه! كفى أن تُستباح أرضه ويُستنزف إنسانه!".

وختم الراعي بالقول: "السلام لا يُفرض بالعنف ولا بالقوة، بل يُبنى بالحوار والتفاوض. السلام لا يولد من الغلبة، بل من إرادة حقيقية تحترم حياة الإنسان وتصون كرامته.  فلنصلِّ، أيها الإخوة والأخوات الأحبّاء: يا رب، في هذا الأحد، أحد الرحمة الإلهية، نرفع إليك قلوبنا ونقول: يا يسوع، إنّا نثق بك. ارحم شعبك، احفظ وطننا، وثبّت رجاءنا. ولتكن كلمتك نور دروبنا. لك المجد والتسبيح أيها الآب والابن والروح القدس الاله الواحد آمين".

 

المطران الياس عودة: كفى عبثا وحروبا ودما وتلاعبا بمصير الناس
April 12, 2026

المطران الياس عودة: كفى عبثا وحروبا ودما وتلاعبا بمصير الناس

ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة خدمة الهجمة وقداس الفصح في كاتدرائية القديس جاورجيوس بحضور حشد من المؤمنين. وبعد الإنجيل ألقى عظة قال فيها: "المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموت بالموت، ووهب الحياة للذين في القبور".

أضاف: "في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وإلها كان الكلمة». هذا الإعلان الإلهي الذي يفتتح به الإنجيلي يوحنا بشارته ليس تأملا لاهوتيا مجردا. إنه أساس كل فهم حقيقي لعيد الفصح المجيد. فالفصح ليس حدثا عابرا في التاريخ، ولا ذكرى نحييها، بل هو انكشاف الحياة الإلهية ذاتها في قلب عالم مائت. إنه دخول النور الحقيقي إلى ظلمة الإنسان، لكي يبددها من الداخل، من عمق الكيان البشري. القيامة التي نحتفل بها اليوم ليست حادثة منفصلة عن تدبير الله الأزلي، بل هي تحقيق لقصد الله منذ البدء: أن يعود الإنسان إلى شركة الحياة الإلهية. الفصح في عمقه اللاهوتي هو قمة سر التدبير الخلاصي الذي أتمه الله في ملء الزمان. موت المسيح وقيامته هما ذروة عمل الله الخلاصي في تاريخ البشرية. القيامة هي العبور من عالم الفساد إلى مجد عدم الفساد، من العبودية للخطيئة إلى حرية أبناء الله، من سلطان الموت إلى شركة الحياة الأبدية. في سر الصليب دخل مسيحنا طوعا إلى عمق الموت لا كخاضع له، بل كمخلص يحطم سلطانه من الداخل. نحن نرتل: «المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموت بالموت ووهب الحياة للذين في القبور» لأن المسيح أعلن، بقيامته، انتصاره النهائي على قوى الشر والفساد، فجر الجحيم من الداخل، وأقام الطبيعة البشرية معه، رافعا إياها من سقطتها، ومستعيدا لها الصورة الإلهية التي خلقها عليها".

وتابع: "الكلمة الأزلي، الذي به كان كل شيء، لم يكتف بأن يخلق الإنسان، بل نزل إليه وحمل ضعفه ودخل في موته، ليقيمه. الفصح ليس فقط قيامة المسيح، بل أيضا إمكانية قيامة الإنسان، ودعوته الحتمية إلى الحياة الجديدة. مأساة الإنسان أنه يختار أحيانا إغلاق عينيه عن النور، ليس لأن النور غائب، بل لأن القلب تعلق بالظلمة. هذا الكلام موجه بصوت كنسي أبوي إلى كل إنسان، وإلى من أعطي سلطة ومسؤولية في هذا الوطن الجريح، ولا يمكن فصله عن واقعنا المرير في وطننا لبنان. فالظلمة التي يتحدث عنها الإنجيل ليست فكرة مجردة، بل واقع الخطيئة والظلم والفساد والإستهتار بكرامة الإنسان. إن النور أشرق، فأي عذر للبشر أن يبقوا في الظلمة وقد أشرق نور القيامة؟ الكلمة لم يأت ليغطي أفعال الخطأة، بل ليكشف ما في القلوب. لم يأت ليكرس سلطة، بل ليدين كل سلطة لا تنبع من الحق. لم يأت ليبارك عروشا بل ليطهرها".

وقال: "إنجيل اليوم يحمل في طياته دينونة رهيبة. فرفض النور ليس جهلا فقط، بل هو موقف. إنه اختيار الظلمة بدل النور، لأن النوايا خبيثة والأعمال شريرة. كم من زعيم ومسؤول في هذا الوطن عرف الحق، وسمع صراخ الضمير، ورأى آلام الناس، لكنه اختار البقاء في دائرة المصلحة، والأنانية، والسلطة المنفصلة عن الخدمة؟ «إلى خاصته جاء، وخاصته لم تقبله». كم هي قاسية هذه العبارة التي تنطبق على واقعنا! لأن المسيح ما زال يأتي إلى هذا العالم، وإلى وطننا، في صرخة الجائع، ودمعة المتألم، ووجع النازح، وخوف الشاب على مستقبله. لكن صوته غير مسموع من كثيرين. وإلا كيف نفسر شن الحروب وقتل الأطفال، وتشريد الأبرياء، ومحو القرى، واستباحة الكنائس وترهيب المصلين؟ ما ذنب الأبرياء الذين استهين بحياتهم أو أرزاقهم؟ كيف يسمح إنسان لنفسه سلب حياة إنسان قتلا أو اغتيالا أو إعداما؟ هل خلق الله الإنسان للعذاب أم أرسل ابنه الوحيد ليفتديه بدمه ويخلصه؟ وكيف نبرر حروبا متتالية، ضد عدو شرس لا يعرف الرحمة، جر لبنان إليها رغم إرادة الدولة ومعظم الشعب الذي لم يعد يحتمل العنف والخوف والتهجير وخسارة الأولاد والأرزاق؟ هنا لا بد من التعبير عن إدانتنا ورفضنا للجرائم والمجازر التي يقترفها هذا العدو، وآخرها ما قام به منذ أيام في بيروت، والأبرياء هم دائما الضحايا. إذا كانت الحرب لا تؤدي إلا إلى الموت والخراب والدمار، وتستهلك المليارات، فيما السلام يحفظ الحياة ويصون السيادة ويعزز الإستقرار،هل يختار الإنسان الموت أم الحياة؟ أملنا أن تتوقف كل الحروب وأن يعود من يقوم بها إلى ضميره، وإلى تعاليم السماء التي تدعو إلى السلام وإلى احترام الحياة وصونها".

أضاف: "يضعنا إنجيل اليوم أمام حقيقة لا هروب منها، فإما أن نقبل النور فنصير «أولادا لله»، أو نرفضه فنحكم على أنفسنا بالبقاء في الموت. سمعنا في الإنجيل: «أما كل الذين قبلوه، فأعطاهم سلطانا أن يكونوا أولادا لله». هذا السلطان ليس امتيازا دنيويا، بل دعوة إلى حياة جديدة، ومسؤولية جديدة، إلى أن يعكس الإنسان صورة الله في أفعاله. المسؤولية صليب. ليست مجدا أرضيا، بل اشتراك في آلام الآخرين وتضحية. إنها جهاد يومي ضد الأنا، وضد الفساد والتسلط والظلم والشر. لذلك، من لا يحمل صليب مسؤوليته بأمانة، يحمل دينونته. فلا قيامة بلا صليب، ولا خلاص بلا إرادة حرة وعمل صادق. يقول الآباء إن «من أعطي أن يقود النفوس سيسأل عن كل نفس». فكيف إذا كان يقود شعبا؟ وقراراته تمس مصير وطن ومستقبل أجيال؟ المسؤولية لا تمر بلا حساب، إذ يوم القيامة الحق سيظهر، وكل خفي سيعلن، وكل تقصير سيدان".

وتابع: "يقول الرب في رسالة اليوم «وتكونون لي شهودا». الفصح ليس نهاية قصة الخلاص، بل بدايتها المتجددة في حياة كل مؤمن مدعو إلى عيش قيامة يومية، مائتا عن خطاياه، حيا بالله، شاهدا للحق. القيامة رسالة حية تدعونا إلى النهوض من كل ما يثقل أرواحنا ويعمي بصائرنا، إلى ترك الخوف واليأس والسير بهدي النور. إنها دعوة للتجدد، للتوبة، للغفران، لإحياء المحبة في القلوب، والشهادة للحق الذي لا يهزم. في الفصح نتذكر أن بعد كل ليل فجر، وبعد كل صليب قيامة. إنه العيد الذي يعلمنا أن الأمل أقوى من الألم، وأن الإيمان قادر أن يصنع من النهاية بداية جديدة. فلنحمل في قلوبنا نور القيامة وننشره فرحا وسلاما ومحبة واستقامة. الجميع اليوم أمام سؤال: هل أنتم شهود للقيامة أم شركاء في الموت؟ هل أنتم أدوات في يد الروح القدس لبناء مجتمع قائم على الحق والعدل والخير، أم إنكم أدوات لتكريس الظلم والقتل والإنهيار؟ إن الصمت لم يعد مقبولا، والتبرير لا ينفع، والتسويات على حساب الحقيقة لا تغتفر. الأفعال هي المقياس لا الوعود،ولا الأوهام،والتوبة عن كل خطيئة. نعم، التوبة، لأن مشكلة عالمنا أخلاقية وروحية. الفساد والرياء والجشع ... ليسوا خللا في النظام، بل خطيئة في القلب، وإن لم تعالج الخطيئة لن يصلح البنيان. التوبة لا تعني الضعف بل القوة. تعني الإعتراف بالخطأ، والعودة إلى الحق، وتغيير المسار، والكف عن تبرير الفشل، وعن رمي الإتهامات. التوبة وقوف أمام الله بصدق، ومن يقف أمام الله لا يمكنه أن يكذب. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: «ليس شيء أبغض إلى الله من الظلم»، فكيف إذا كان هذا الظلم منظما وممأسسا ويمارس باسم القانون أو الطائفة أو الحزب أو المصلحة؟ إن كل هذا يسقط أمام نور القيامة، لأن النور لا يساوم ولا يهادن، بل يكشف ويفضح ويطهر. يقول القديس أثناسيوس الكبير إن «المسيح لم يأت ليحسن الإنسان، بل ليجدده». المطلوب اليوم ليس الترقيع بل التجديد، لا الإصلاحات الشكلية بل التحول الجذري، لأن ما بني على الخطأ لا يستمر، وما تأسس على الرياء لا يمكن أن يثبت".

وقال: "ما حدث في لبنان في السنوات الأخيرة من أزمات متلاحقة وحروب ودمار، يضاف إليها إنفجار تاريخي كارثي لم تكشف خفاياه بعد، وانهيار إقتصادي، وانحطاط أخلاقي، وهدر لأموال الناس، وفقدان للثقة، ليس قدرا محتوما، بل نتيجة خيارات خاطئة. الكنيسة، الأم والمعلمة، لا يمكنها أن تصمت أمام هذا الواقع. لذا نرفع الصوت لنقول بوضوح: كفى عبثا، كفى حروبا ودما، كفى تلاعبا بمصير الناس. لبنان ليس مجرد كيان سياسي، بل رسالة حضارة وتعددية ومحبة وانفتاح وعلم وثقافة... المسيح قام، لكي يقيمنا، لكنه لا يقيم من لا يريد أن يقوم. لذا نأمل أن تفي الدولة بتعهداتها وتظهر مصداقيتها بأعمالها. كما نأمل أن يلتف الشعب حول دولته ليكون موقفها أقوى".

أضاف: "الفصح دعوة إلى التوبة، لا بالكلام، بل بالفعل. والتوبة تعني تغيير الذهن والنهج والأولويات. تعني وضع الإنسان قبل المصلحة، والحق قبل الربح، والخدمة قبل السلطة. تعني أن يعود المسؤول إلى الله كمرجعية حية في كل قرار. مأساة عالمنا أن الإنسان يرزح تحت ثقل وثنية أهوائه: الأنانية، المطامع، الظلم، الحقد، التحكم بمصائر البشر. نتيجة الإستعباد للأهواء هذه، ما نشهده من حروب تعم عالمنا، ومنطقتنا تعاني أكثر من غيرها. أرض المسيح، حيث انبلج نور القيامة، ركام وآلام، شعبها مجروح، يئن، والطغاة لا يسمعون. لبنان، بلدنا الصغير، يفتقد إلى الحق والعدل والسلام، ويمات يوميا بسبب خطايا قادته وأبنائه. إنسان اليوم يضحي بأخيه الإنسان لأنه أبعد الله من قلبه، وصار يقتل الإنسان بسهولة، وقد نزع عنه قدسيته. لم يعرف البشر عصرا يقتل فيه الإنسان كعصرنا هذا. أين لغة الله تنطق بها القلوب؟ أين المقاصد الإلهية يحققها الإنسان المؤمن؟ أين الشهادة للإله القائم؟ إن لم يسكن الرب القلب يحتله روح الشر والحسد والغضب والنميمة. فلا تتركوا فراغا في قلوبكم".

وختم: "لنصل من أجل توبة صادقة في هذا الوطن، ومن أجل استنارة شعبه ومسؤوليه، لكي يفتحوا قلوبهم للنور ويصيروا أبناء للنور وشهودا للقيامة، لا بالكلام بل بالحياة، لأن القيامة التي لا تترجم حقا وعدلا ومحبة وسلاما تبقى ناقصة. فلتكن قيامة المسيح دينونة للظلمة والشر فينا، ونورا يهدينا إلى طريق الحياة. لنصل أيضا من أجل أن يزاح الحجر عن قلوب اللبنانيين الذين طالت جلجلتهم، وبخاصة أولئك الصامدون في قراهم، المقاومون الحقيقيون المتشبثون بأرضهم رغم المخاطر، الرافعون علم بلدهم، والطالبون حماية دولتهم وجيشهم. حماهم الله، وحمى لبنان، ومنحه السلام والإستقرار والإزدهار. المسيح قام، حقا قام".