Tuesday, 19 May 2026

جاري التحميل...

جاري التحميل...

عاجل
المطران إلياس عودة: ما بال زعماء وقادة وأبناء هذا البلد لا يقومون بما يؤدي إلى خلاصه؟

المطران إلياس عودة: ما بال زعماء وقادة وأبناء هذا البلد لا يقومون بما يؤدي إلى خلاصه؟

May 3, 2026

المصدر:

الوكالة الانباء المركزية

ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس ​المطران الياس عودة​ خدمة القداس في ​كاتدرائية القديس جاورجيوس​. بعد قراءة الإنجيل ألقى عظة قال فيها: "​المسيح​ قام من بين الأموات ووطئ الموت بالموت، ووهب الحياة للذين في القبور".

أضاف: "تضع الكنيسة أمامنا اليوم، من خلال القراءة من ​إنجيل يوحنا​ ، إنسانا مطروحا عند بركة بيت حسدا منذ ثمان وثلاثين سنة، كما تحدثنا الرسالة من ​أعمال الرسل​ عن إنسان آخر في لدة إسمه أينياس كان "مضطجعا على سرير منذ ثماني سنين وهو مخلع". بين هذين المشهدين يمتد خيط واحد يكشف سر الإنسان في ضعفه، وسر الله في خلاصه، لأن المخلع في الحالتين ليس مجرد مريض جسدي، بل هو أيقونة لحالة البشرية جمعاء،حين تفقد الرجاء وقوة القيام. عند البركة، نرى إنسانا إستهلكه الزمن، فصار المرض جزءا من تاريخه، وربما من هويته. لم يعد ينتظر الشفاء بقدر ما اعتاد الإنتظار. لذلك، يأتيه الرب يسوع لا كمن يقدم له علاجا فوريا، بل كمن يدخل إلى عمق إنسانيته بسؤال يهز كيانه: «أتريد أن تبرأ؟». إنه سؤال يكشف أن المشكلة ليست في غياب القدرة الإلهية، بل في انطفاء الإرادة البشرية. فالإنسان قد يطول به المرض الروحي حتى يفقد الرغبة في النهوض منه، ويستبدل الرجاء بالتأقلم مع السقوط. هنا، كما يقول ​القديس يوحنا الذهبي الفم​، يوقظ المسيح الإرادة النائمة، لأنه لا يخلص الإنسان من دون مشاركته الحرة، بل يدعوه إلى أن يفتح قلبه لعمل النعمة".

وتابع: "جواب المخلع يكشف عمق الجرح إذ يقول: "ليس لي إنسان متى حرك الماء يلقيني في البركة". إنه لا يتكلم فقط على عجزه، بل على وحدته. لقد فقد الشركة مع الآخرين، وصار وجوده محصورا في ذاته العاجزة. هذا المخلع صورة للبشرية التي، بانفصالها عن الله، فقدت أيضا إنسانيتها ومعنى وجودها. لكن المسيح لا يترك المخلع في هذا المنطق الأعوج، بل يكسر انتظار البركة، ويتجاوز الوسائط، ويخاطبه قائلا: "قم، إحمل سريرك وامش. فللوقت برئ الرجل وحمل سريره ومشى". في تلك اللحظة، لم يحدث مجرد شفاء، بل تمت ولادة جديدة، إذ تحولت الكلمة الإلهية إلى قوة تقيم الإنسان من شلله، وتعيد إليه العافية والحياة. السرير الذي كان يحمل الإنسان صار الإنسان يحمله. يقول ​القديس كيرلس الإسكندري​ إن ما كان يثقل الإنسان ويقيده، يصير بعد عمل النعمة الإلهية مجالا لسلطانه وجهاده. غير أن المسيح لا يكتفي بإقامة الجسد، بل يلتقي بالمخلع في الهيكل ليكشف له البعد الأعمق لفعله قائلا: «لا تعد تخطئ لئلا يصيبك أشر». المشكلة الجذرية ليست في المرض، بل في الخطيئة التي تشل الإنسان من الداخل. لذلك، كل شفاء حقيقي هو عودة إلى الله، واستعادة للحياة التي فقدها الإنسان بسقوطه".

وقال عودة: "من هذا المشهد الإنجيلي، ننتقل إلى ما حدث في الكنيسة الأولى، حيث الحدث امتداد حي لعمل المسيح نفسه. فبطرس، حين التقى أينياس "المضطجع على سرير منذ ثماني سنين وهو مخلع" لم يتكلم باسمه الشخصي، بل قال له: "يشفيك يسوع المسيح. قم وافترش لنفسك". إنها الكلمة نفسها، والقوة نفسها، إنما بواسطة بطرس، أحد أعضاء جسد الكنيسة. هنا يتجلى بوضوح أن الشفاء ليس حدثا فرديا معزولا، بل عمل كنسي، لأن المسيح الحاضر في كنيسته يواصل إقامة الإنسان من سقطته في كل زمان ومكان. يؤكد ​المغبوط أغسطينوس​ على أن الرسل لا ينسبون قوة الشفاء إلى أنفسهم، لكيما يبقى القلب متجها نحو الله وحده، مصدر كل شفاء. إذا جمعنا المشهدين، نكتشف أن المخلع ليس شخصا من الماضي، بل هو كل إنسان يفقد القدرة على القيام. إنسان هذا العصر قد لا يكون مخلعا جسديا، لكنه كثيرا ما يكون مفلوجا في إرادته ورجائه ومحبته، يعيش بين الناس إنما وحيدا، يردد في داخله: «ليس لي إنسان». هو يمتلك الوسائل، لكنه يفتقر إلى القوة الداخلية، إلى الإرادة التي تغير حياته. هنا يرن صوت المسيح مجددا، كحضور حي، قائلا لكل منا: «أتريد أن تبرأ؟»".

واوضح أنه "يضعنا هذا السؤال أمام حقيقتنا. هل نريد فعلا أن نتغير، أم نكتفي بتبرير ضعفنا وسقوطنا؟ هل نجرؤ على النهوض، أم نفضل البقاء في حالة السقوط والإنتظار؟ كلمة قم التي ينطق بها الرب ليست أمرا، بل دعوة إلى قيامة يومية، إلى خروج من شلل الخطيئة واستعباد الأنا للكبرياء والمال والسلطة والمجد. إنها دعوة إلى عدم الوقوع في الخطأ مجددا لئلا يصيب الإنسان أشر. دعوة إلى حركة مستمرة نحو الله لا تتم بقوتنا، بل بقوة الله وبإرادتنا ومساندة الإخوة، في حضن الكنيسة، حيث نلتقي بالمسيح في كلمته، وفي أسراره، وفي الشركة مع الإخوة، فنكتشف أننا لم نعد وحدنا، وأن الإنسان المخلع الذي افتقده الله قد صار حاضرا في جسد المسيح الحي. هنا يتحقق ما يقوله القديس مكسيموس المعترف عن أن النعمة لا تلغي طبيعة الإنسان، بل تشفيها وتكملها، فتعيد إليها قدرتها على الحركة نحو الخير. لذلك، الدعوة اليوم ليست فقط إلى التأمل في معجزة حصلت، بل إلى الدخول فيها، وفهم كنهها وإدراك حقيقة أن كلمة المسيح تعمل فينا، تقيمنا من كل شلل ويأس، وتوجهنا نحو طريق الحياة الجديدة".

وختم: "ألا يشبه بلدنا مخلع الإنجيل الذي ينتظر من يمد له يد العون؟ فما بال زعمائه وقادته وأبنائه لا يقومون بما يؤدي إلى خلاصه؟ الرب حاضر دائما، وهو يقرع أبواب القلوب وينتظر. هو لا يقتحم حياتنا لأنه خلقنا أحرارا، بل ينتظر استجابتنا لدعوته، لذا علينا وحدنا تقرير مصيرنا بإرادتنا الحرة، وسلوكنا المستقيم الذي يرضي الله. فلنستجب إذا لهذا الصوت الإلهي، ولنقل من أعماقنا: "نعم، يا رب، نريد أن نبرأ" من أمراضنا. نريد أن نغير سلوكنا ونتخلى عن أنانيتنا ومصالحنا. نريد أن ننتشل وطننا من هاويته. حينئذ، لن تبقى حياتنا مطروحة عند مياه هذا العالم، بل تصير مسيرة حية في نور القيامة، حيث يمشي الإنسان بقوة الله، ويصير شاهدا لعمل نعمته، ممجدا اسمه إلى الأبد

 

Posted byKarim Haddad✍️

المتروبوليت اسكندر للمسؤولين: تحملوا مسؤولياتكم تجاه أبناء علما الشعب وتجاه كل القرى المتألمة
May 17, 2026

المتروبوليت اسكندر للمسؤولين: تحملوا مسؤولياتكم تجاه أبناء علما الشعب وتجاه كل القرى المتألمة

ترأس راعي أبرشية صور للروم الملكيين الكاثوليك المتروبوليت جورج إسكندر قداسًا في كنيسة مار إلياس في الدكوانة، بمشاركة أبناء بلدة علما الشعب الذين يعيشون مرارة النزوح والانتظار، وبحضور رئيس البلدية والمخاتير ووكلاء الوقف وحشدٍ من المؤمنين.

وعاون المطران اسكندر في الذبيحة الإلهية الأب المدبر أغابيوس أبو سعدى المخلصي، وكاهن رعية مار إلياس في الدكوانة الأب جورج أبو شعيا، وكاهن رعية مار إلياس في علما الشعب الأب جورج وهبي، وابن البلدة الأب يوحنا حداد، والأب إينياس عطالله المخلصي.

وبعد القداس، القى  المتروبوليت إسكندر عظة قال فيها: 

"نحن اليوم لا نلتقي في مناسبةٍ عادية، ولا نجتمع حول مذبح الرب لنسمع كلامًا جميلًا يخفف الوجع ساعةً ثم نعود إلى تعبنا. نحن اليوم نحمل بلدةً كاملة إلى المذبح. نحمل علما الشعب، ببيوتها، وطرقاتها، وكنائسها، ومدافنها، وأجراسها، وأراضيها، وذكريات أهلها، ودموع أبنائها. نلتقي بعيدين عن الأرض، نعم. بعيدين عن البيوت، نعم. بعيدين عن الكنيسة التي تعودتم أن تصلوا فيها، نعم. لكن علما الشعب ليست بعيدةً عنكم. علما الشعب هنا، في الوجوه، في العيون التي تخفي دمعةً ولا تستطيع، في الأمهات اللواتي يسألن بصمت: متى نعود؟ في الآباء الذين تعبوا من الانتظار، لكنهم لم يتعبوا من الرجاء، وفي المفاتيح المحفوظة في الجيوب، لا كمعدنٍ بارد، بل كعهدٍ وذاكرةٍ وصلاة".

اضاف: "في بداية هذه الذبيحة، أود أن أقول كلمة شكرٍ من القلب إلى الأب جورج أبو شعيا، الذي فتح لنا قلبه قبل أن يفتح لنا الكنيسة. لم يستقبلنا كغرباء، بل كأهلٍ بين أهلهم، وكإخوةٍ يحملون جرحًا واحدًا ورجاءً واحدًا. والشكر موصولٌ لرعيته الكريمة، لأن الكنيسة حين تفتح أبوابها للمتعبين لا تعطيهم مكانًا فقط، بل تقول لهم: أنتم لستم وحدكم. وأحيي أيضًا الأب جورج وهبي، كاهن الرعية العزيز، الذي يحمل معكم تعب النزوح، ومرارة الانتظار، وقلق السؤال اليومي. فالكاهن في مثل هذه الظروف لا يكون فقط خادم مذبح، بل ذاكرة رعية، وصوت شعب، ورفيق دمعة، وحارس رجاء".

وتابع: "نحن اليوم في الأحد السابع بعد الفصح، أحد الآباء القديسين المجتمعين في نيقية. في هذا الأحد، تضع الكنيسة أمامنا كلمتين عظيمتين: كلمة بولس الرسول إلى رعاة الكنيسة، وصلاة يسوع من أجل تلاميذه. بولس يقول: «احذروا لأنفسكم ولجميع القطيع الذي أقامكم الروح القدس أساقفة فيه، لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه الخاص». ويسوع يرفع عينيه إلى السماء ويقول: «أيها الآب القدوس، احفظ باسمك الذين أعطيتهم لي، ليكونوا واحدًا كما نحن».

كأن كلمة الله كُتبت اليوم لأجلنا. كأن بولس يتكلم إلى كل مسؤول، وكل راعٍ، وكل أبٍ، وكل أمٍ، وكل صاحب ضمير: احذروا للقطيع. لا تتركوا الناس وحدهم. لا تتركوا من تهجروا كأنهم رقمٌ في تقرير. لا تتركوا من خسروا بيوتهم كأنهم خسارةٌ جانبية. لا تتركوا من ينتظرون العودة كأن الانتظار صار قدرهم.

وكأن يسوع، وهو يصلي قبل آلامه، يصلي اليوم من أجل علما الشعب: يا أبت، احفظهم. احفظ وحدتهم. احفظ إيمانهم. احفظ ذاكرتهم. احفظهم من اليأس. احفظهم من أن يتحول الوجع إلى قسوة، والانتظار إلى انقسام، والظلم إلى حقد".

وشدد على أن "علما الشعب ليست مجرد بلدةٍ حدودية. علما الشعب بيت. ومن لا يفهم معنى البيت، لا يفهم معنى النزوح. البيت ليس جدرانًا فقط. البيت هو صوت الباب حين يفتح، ورائحة القهوة صباحًا، وصورة على الحائط، وشجرةٌ زرعها الأب، وعتبةٌ جلست عليها الأم، وطريقٌ يعرف أسماءنا، وجارٌ يسلم علينا قبل أن نتكلم، وقبرٌ نزوره لنقول لمن سبقونا: نحن لم ننسكم.

لذلك، حين يُمنع الإنسان من العودة إلى بيته، لا يُحرم من مكانٍ فقط، بل يُجرح في كرامته وذاكرته وهويته وحقه في أن يكون ابن أرضٍ لا عابرًا في أرض الآخرين. وحين تُترك بلدةٌ لأهلها خلف الخوف والدمار، لا تكون القضية قضية حجرٍ أو إسمنتٍ فقط. هناك حياةٌ كاملة. هناك عائلاتٌ لها أسماء. هناك تعب عمر. هناك كنيسةٌ صلى فيها الناس. هناك مدفنٌ يرقد فيه الآباء والأمهات والأجداد. هناك أرضٌ ليست ملكيةً عقاريةً فقط، بل أمانةٌ روحيةٌ ووطنيةٌ وإنسانية. لذلك أقول لكم اليوم، من على هذا المنبر، بهدوءٍ وثباتٍ ومسؤولية: قضية علما الشعب ستبقى حية. ستبقى حيةً في ضمير الكنيسة، في صلاتنا، في صوتنا، ما دام أبناؤها محرومين من العودة إلى أرضهم وبيوتهم".

 

واشار الى "أننا لا نقول هذا لنزرع حقدًا، فنحن لسنا أبناء الحقد. ولا نقوله لنستدعي عداوةً جديدة، فنحن أبناء الإنجيل. لكن الإنجيل لا يطلب منا أن نسكت عن الحق. المحبة لا تعني أن نغطي الظلم، والسلام لا يعني أن يبقى المظلوم صامتًا حتى لا ينزعج الظالم. السلام الحقيقي يقوم على العدالة. والعدالة تبدأ بأن يعود الناس إلى أرضهم، وأن تُحمى بيوتهم، وأن تُصان كنائسهم ومدافنهم وأرزاقهم، وألا يُترك الإنسان وحده أمام الخراب، ثم يقال له: اصمد".

وقال: "من هنا، ومن قلب هذه الصلاة، نرفع نداءً واضحًا إلى الدولة اللبنانية: تحملوا مسؤولياتكم تجاه أبناء علما الشعب وتجاه كل القرى المتألمة. أعيدوا الناس إلى أرضهم عودةً آمنةً وكريمةً وثابتة. احموهم في بيوتهم وأرزاقهم وطرقاتهم. فالمواطن لا يطلب امتيازًا حين يطلب الأمان، بل يطلب حقًا من أبسط حقوقه".

وناشد "المجتمع الدولي، من موقع الضمير الإنساني، أن يتحرك بجديةٍ ومسؤولية، وأن يعمل لوقف التدمير، ولحفظ ما تبقى من بيوتٍ وأرزاقٍ وكنائس وقاعاتٍ ومدافن في علما الشعب. فما يُدمر هناك ليس حجرًا فقط. كل بيتٍ هو قصة عائلة. كل حقلٍ هو تعب أيد. كل كنيسةٍ هي ذاكرة إيمان. وكل مدفنٍ هو موضع كرامةٍ وصلاة".

اضاف: "في قراءة اليوم، بولس الرسول يحذر من الذئاب الخاطفة. وهذه الكلمة لا تزال حيةً في كل زمان. هناك ذئابٌ كثيرة لا تأتي دائمًا بأنيابٍ ظاهرة. أحيانًا يأتي الذئب بشكل خوف، وأحيانًا بشكل يأس، وأحيانًا بشكل انقسام، وأحيانًا بشكل نسيان. أخاف عليكم لا فقط من الخراب الخارجي، بل من التعب الداخلي. أخاف من أن يقول أحدكم: لم يعد أحدٌ يسمعنا. أخاف من أن يقول آخر: تعبنا، فلنترك كل شيء. أخاف من أن تكبر المسافة بينكم وبين بلدتكم في قلوب أولادكم. أخاف من أن يصير الألم سببًا للتفرقة بدل أن يكون سببًا لمزيدٍ من الأخوة.

لذلك يقول لنا المسيح اليوم: «ليكونوا واحدًا كما نحن». ابقوا واحدًا. ابقوا عائلةً واحدة. ابقوا رعيةً واحدة. ابقوا أبناء بلدةٍ واحدة. لا تسمحوا للنزوح أن يفرقكم، ولا للانتظار أن يجعل الأخ غريبًا عن أخيه، ولا للوجع أن يحول القلوب إلى محاكم. إن ضاعت الوحدة، نخسر علما الشعب قبل أن نعود إليها. أما إذا بقيتم واحدًا، فستبقى علما الشعب حيةً فيكم، وستعودون إليها لا كأفرادٍ متعبين فقط، بل كشعبٍ حفظ إيمانه وكرامته وأخوته.

آباء نيقية يعلموننا هذا. فالكنيسة في ذلك الزمن واجهت اضطرابًا كبيرًا وخطر انقسامٍ كبير. لكن الآباء القديسين لم يحموا الإيمان بالصراخ، بل بالثبات. لم يدافعوا عن الحقيقة بالعنف، بل بالوضوح. لم يساوموا على الإيمان، لكنهم قالوه بروح الكنيسة.

ونحن اليوم نحتاج إلى هذه الروح عينها: أن نقول الحق بلا حقد، وأن نطالب بالعدالة بلا كراهية، وأن نرفع الصوت بلا انفعالٍ فارغ، وأن نبقى ثابتين بلا قسوة، وأن نحمل وجعنا أمام العالم بقلبٍ مسيحي لا يريد الانتقام، بل يريد أن يعود الحق إلى أصحابه".

 

وتوجه الى أبناء علما الشعب قائلا: "أعرف أن في قلوبكم تعبًا لا يُقال بسهولة. أعرف أن فيكم من خرج من بيته وهو يظن أنه سيعود بعد أيام، فإذا بالأيام تطول، والانتظار يصير خبزًا يوميًا. أعرف أن فيكم من ترك في البيت صورًا، وثيابًا، وأوراقًا، وأشياء صغيرةً لا يعرف قيمتها إلا صاحبها. وأعرف أن فيكم من يسأل كل يوم: ماذا بقي من بيتنا؟ ماذا بقي من الكنيسة؟ ماذا بقي من القبور؟ ماذا بقي من الطريق؟ ماذا بقي من تعب العمر؟ هذه الأسئلة موجعة، ولا يجوز لأحدٍ أن يستخف بها. لكنني أقول لكم اليوم: لا تدعوا الانتظار يسرق رجاءكم. لا تدعوا الظلم يقنعكم بأن الحق مات.

لا تدعوا المسافة تجعل أولادكم غرباء عن علما الشعب. حدثوهم عنها. قولوا لهم عن الكنيسة، عن مار إلياس، عن العيد، عن الجرس، عن الجيران، عن الحقول، عن البيوت، وعن الأسماء التي صنعت تاريخ البلدة.

لا تتركوا الذاكرة تموت، لأن الذي يفقد ذاكرته يسهل اقتلاعه. لكن لا تجعلوا الذاكرة سجنًا. لتكن الذاكرة قوةً لا مرارة، ولتكن الأمانة للبلدة باب وحدةٍ لا باب انغلاق.

نحن نريد أن تعودوا إلى علما الشعب لا حاملين سم الحقد، بل حاملين كرامة الأبناء. نريد أن تعودوا لا منكسرين، بل ثابتين. لا قساة القلوب، بل كبار القلوب. لا غرباء عن الإنجيل، بل شهودًا له" .

وقال: "يسوع في إنجيل اليوم يقول للآب: «ليكون لهم فرحي كاملًا فيهم». عجيبٌ هذا الكلام. يسوع يتكلم عن الفرح وهو ذاهبٌ إلى الصليب. أي فرحٍ هذا؟ إنه ليس فرح الراحة، ولا فرح الظروف السهلة، بل فرح الإنسان الذي يعرف أنه في يد الآب. فرح من يؤمن أن الصليب ليس الكلمة الأخيرة، وأن القيامة لا تولد خارج الجراح، بل من قلب الجراح.

نحن لا نقول إن الألم صغير، ولا إن الخراب بسيط، ولا إن العودة سهلة. لكننا نقول إن الرب أكبر من الألم، وإن الحق أقوى من الخراب، وإن الرجاء أعمق من الانتظار، وإن علما الشعب ليست خبرًا عابرًا، بل أمانةٌ في قلب الله وفي قلب أبنائها.

قد يسأل أحدكم: ماذا تفعل الصلاة أمام الدمار؟ ماذا يفعل القداس أمام السياسة؟ ماذا تفعل الكلمات أمام البيوت المهدمة؟

الصلاة لا تعفينا من العمل، ولا تُسكت الحق، ولا تلغي المطالبة. لكنها تمنعنا من أن نصير مثل ما نرفضه. الصلاة تحفظ إنسانيتنا، وتنقي صوتنا، وتجعل مطالبتنا بالحق نقيةً من الانتقام، قويةً بالمحبة، ثابتةً بالعدالة".

اضاف المتروبوليت اسكندر: "نحن نصلي لكي لا يتحول وجعنا إلى كراهية، ولكي لا يكبر الأطفال على الخوف وحده، ولكي لا ينهار المسنون تحت ثقل الانتظار، ولكي تبقى العائلات متماسكة، ولكي يعود كل إنسانٍ إلى أرضه بسلامٍ وكرامة.

أحبائي، الكنيسة لن تنسى علما الشعب. أبرشية صور لن تنسى علما الشعب. ومذبح الرب لن ينسى علما الشعب. كل مرةٍ نرفع فيها الكأس المقدسة في صور، سنحمل أسماءكم وبيوتكم وأوجاعكم ورجاءكم.

نحن لا نملك جيوشًا، ولا نملك قراراتٍ دولية، ولا نملك مفاتيح السياسة الكبرى. لكننا نملك الأمانة، ونملك الصلاة، ونملك كلمة الحق، ونملك حضور الكنيسة إلى جانب أبنائها، ونملك هذا اليقين: أن الله لا يترك شعبًا يضع وجعه على مذبحه.

واليوم، من هذه الكنيسة، لا نودع علما الشعب، بل نجدد العهد معها. لا نقول لها: كنت لنا. بل نقول لها: أنت لنا، ونحن لك. لا نقول: انتهت الحكاية. بل نقول: الحكاية مستمرة، والحق مستمر، والرجاء مستمر، والصلاة مستمرة".

 واردف: "يا رب يسوع، أنت الذي رفعت عينيك إلى السماء وصليت من أجل تلاميذك، ارفع اليوم وجوه أبناء علما الشعب من الحزن إلى الرجاء. احفظ أبناءها وبناتها، شيوخها وأطفالها، بيوتها وما تبقى منها، كنيستها وقاعاتها ومدافنها. احفظ حقها في العودة، واحفظ وحدتها من التفرقة، وقلوب أبنائها من اليأس.

يا رب، ابن ما تهدم في الحجر، واجبر ما انكسر في القلب، وافتح طريق العودة بسلامٍ وكرامة. واجعل أبناء علما الشعب واحدًا كما تريدهم أنت، لكي لا ينتصر عليهم الخوف، ولا يبتلعهم النسيان، ولا يطفئهم الظلم.

ولتكن ذبيحتنا الإلهية اليوم فعل إيمان، وفعل مقاومةٍ روحية، وفعل محبة. إيمانًا بأن الله لا ينسى دمعةً واحدة. ومقاومةً روحية لأننا نرفض أن يتحول التهجير إلى قدر. ومحبةً لأننا نريد العودة إلى الأرض لا حاملين حقدًا، بل حاملين كرامة الأبناء".

وختم المتروبوليت اسكندر: "قضية علما الشعب ستبقى حيةً في صلاتنا، وفي ضميرنا، وفي كنيستنا، وفي كل كلمة حقٍ نقولها بمحبة. وستبقى علما الشعب، مهما طال الغياب، بلدةً لأبنائها، وجرحًا في قلب الكنيسة، ووعدًا بالعودة".

وبعد القداس، عُقد لقاءٌ أخويٌ في قاعة الكنيسة جمع المتروبوليت إسكندر والآباء الكهنة بأبناء علما الشعب، في أجواءٍ عائليةٍ صادقة، تخللها تبادل أحاديث واطمئنان إلى أوضاع العائلات، والإصغاء إلى هواجسهم المرتبطة بالنزوح والانتظار والعودة. وقد شكّل هذا اللقاء امتدادًا طبيعيًا للقداس، إذ لم تبق الصلاة داخل الكنيسة فعلًا طقسيًا فحسب، بل تحولت إلى مرافقةٍ قريبةٍ ولقاءٍ مباشرٍ مع الناس، يؤكد أن الكنيسة تقف إلى جانب أبنائها، تسمع وجعهم، وتحمل معهم رجاء العودة بكرامةٍ وسلام.

 

البطريرك الراعي: الأوطان لا يحفظها السلاح ولا تحميها القوّة
May 17, 2026

البطريرك الراعي: الأوطان لا يحفظها السلاح ولا تحميها القوّة

ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس الأحد ومناسبة اليوم العالمي الستين لوسائل التواصل الاجتماعي في كنيسة السيدة في الصرح البطريركي في بكركي، عاونه فيه النائب البطريركي المطران انطوان عوكر، رئيس اللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام المطران منير خيرالله، أمين سر البطريركية العام الأب فادي تابت، أمين سر البطريرك الخاص الأب كميليو مخايل، أمين عام مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان الأب جان يونس، مدير المركز الكاثوليكي للإعلام المونسينيور عبدو ابو كسم، رئيس رابطة كاريتاس لبنان الأب سمير غاوي، رئيس مكتب راعوية الشبيبة الأب جورج يرق، والأب أنطوان عطالله، ومشاركة عدد من المطارنة والكهنة والراهبات، في حضور وزير الإعلام المحامي د. بول مرقص، مدير مكتب الإعلام في القصر الجمهوري رفيق شلالا، نقيب المحررين جوزيف القصيفي، رئيس الرابطة المارونية المهندس مارون الحلو، رئيس المجلس العام الماروني المهندس ميشال متى، الامينة العامة للمؤسسة المارونية للانتشار هيام البستاني، رئيسة مجلس إدارة المدير العام  ل "تلفزيون لبنان" الدكتورة اليسار النداف جعجع، رئيس مجلس الإدارة المدير العام  ل"تيلي لوميار" و"نور سات" جاك كلاسي، رئيسة الإتحاد الكاثوليكي العالمي للصحافة_لبنان ماغي مخلوف،قنصل جمهورية موريتانيا إيلي نصار، وعدد من ممثلي وسائل الإعلام والاعلاميين، إضافة إلى رابطة آل حنين برئاسة أديب حنين وحشد من الفعاليات والمؤمنين. 

بعد الإنجيل المقدس القى البطريرك الراعي عظة بعنوان: ""أجل، أن تحبّوا بعضكم بعضًا، كما أنا أحببتكم"(يو 13: 34)، قال فيها: "ما أعظم هذه الكلمات وما أبسطها في الوقت عينه. إنه إنجيل صغير في حجمه، لكنه بحر لا ينتهي في معانيه. إنه إنجيل الحب، الوصية الجديدة التي تركها يسوع لتلاميذه قبل آلامه، وكأنه يسلّمهم وخلاصة الإنجيل كله، وخلاصة الحياة المسيحية كلها. في تلك اللحظات الأخيرة، لم يوصِهم يسوع بالسلطة، ولا بالقوة، ولا بالعظمة الأرضية، بل أوصاهم بالمحبة: المحبة التي تغفر، المحبة التي تحتمل، المحبة التي تبذل دائماً ذاتها من أجل الآخر.  فالمسيح لم يحب بالكلام، بل بالفعل. أحب الإنسان حتى النهاية، حتى الصليب، وحتى بذل الذات الكامل. هذا هو إنجيل اليوم: إنجيل المحبة التي لا تسقط، المحبة التي تبني، المحبة التي تغيّر الإنسان والعالم. لأن الإنسان يستطيع أن يعيش بالقوة فترة، وبالمصلحة فترة، لكنه لا يستطيع أن يعيش حقًا إلا بالمحبة. ولهذا قال الرب: "بهذا يعرف الجميع أنكم تلاميذي: إن كان فيكم حب بعضكم لبعض" (يو 13: 35)".

وتابع: " يسعدني أن أرحّب بكم جميعًا، مع تحيّة خاصّة لمعالي وزير الاعلام، للإعلاميّين والإعلاميّات في هذا الاحتفال الذي نحيي فيه اليوم العالمي السّتين لوسائل التواصل الاجتماعي. نقدّم هذه الذبيحة المقدسة على نيّتكم ومن أجل نجاح رسالة وسائل التواصل الاجتماعي، ونصلّي مع قداسة البابا لاون الرابع عشر والكنيسة، لكي يبقى الإعلام مساحة لقاء وحقيقة، وخدمة للإنسان، لا أداة انقسام أو تضليل. وقد استمعنا في بداية هذه الليتورجيا إلى كلمة سيادة أخينا المطران منير خيرالله، راعي أبرشية البترون ورئيس اللجنة الأسقفيّة لوسائل الإعلام، مشكورًا، حول مضمون رسالة قداسة البابا لهذا اليوم، وهي بعنوان: "المحافظة على الأصوات والوجوه البشريّة". ونرحّب برابطة آل حنين الكرام برئاسة الأستاذ نديم حنين، ونتمنّى لهم دوام الوحدة والتعاون في حياتهم ومشاريعهم".

وقال: "أجل، أن تحبوا بعضكم بعضًا كما أنا أحببتكم" (يو 13: 34). هذه هي الوصية الجديدة. الجديد فيها ليس فقط كلمة "المحبة"، لأن البشر عرفوا المحبة منذ القديم، لكن الجديد الحقيقي هو هذا المقياس الذي وضعه يسوع: "كما أنا أحببتكم". هذا هو الجديد! كيف أحبنا المسيح؟ أحبنا من دون شروط. أحبنا رغم ضعفنا وخطايانا. أحبنا حتى بذل ذاته عنا. أحبنا لكي يرفعنا ويخلّصنا. ولهذا، فالمحبة في المسيحية ليست مجرد عاطفة، وليست مجرد كلام جميل، بل هي موقف حياة. المحبة هي أن أقبل الآخر، أن أغفر له، أن أحمله في صلاتي، أن أسانده، أن أراه إنسانًا له كرامة وله قيمة. المسيح لم يطلب من تلاميذه أن يتفوقوا على بعضهم البعض، بل أن يحبوا بعضهم البعض. لأن الحب وحده يبني الجماعة، ويبني الكنيسة، ويبني الإنسان من الداخل. الحب يبدّل الإنسان، الحب يشفي الجراح، الحب يعيد الثقة، الحب يطفئ الكراهية، الحب يخلق السلام. ولهذا تبقى وصية الربّ يسوع جديدة في كل زمن، لأن العالم مهما تقدم يبقى محتاجًا إلى المحبة. فالإنسان بدون حب يصبح قلبًا متحجّرًا، والمجتمع بدون حب يصبح ساحة صراع، والوطن بدون حب يصبح مكان خوف وانقسام. فأن يحب الإنسان في زمن الانقسامات والكراهية، فهذا يحتاج إلى قلب كبير وإيمان كبير".

واردف: " لبنان اليوم يحتاج إلى الحبّ أكثر من أيّ وقتٍ مضى. فمحبّة الوطن في قلب المواطنين هي التي تبني الوطن وتحضنه، وتجعل أبناءه متّحدين يعملون من أجله وفي خدمته. لبنان لا يُبنى بالفساد، ولا بالكراهية، ولا بالأنانيّة، بل بالمحبّة، وبالشفافيّة، وبالأخلاقيّة، وبالصدق. لكننا نقول نعيش اليوم في ظروفٍ صعبة، في ظلّ اعتداءات وانتهاكات متواصلة، وفي ظلّ واقعٍ يزداد غموضًا. كفانا بغضًا، فلنُحبّ. بالحبّ نلتقي، بالحبّ نتصالح، بالحبّ نتسامح، وبالحبّ نبني وطنًا يشعر فيه الإنسان بالأمان والكرامة والانتماء. نحن أبناء الحبّ، لا أبناء الكراهية. نحن أبناء الحياة، لا أبناء الحرب. ولهذا نتمسك بثقافة السلام، قائلين: لا سلام جون حب، لا للحرب، نعم للسلام. السلام وحده يحفظ الانسان والوطن. ولا سلام بدون حبّ، ولا وطن بدون محبّة بين أبنائه، ولا مستقبل يمكن أن يُبنى إذا بقيت القلوب غارقة في الخوف والانقسام والتوتّر".

وقال: " الأوطان لا يحفظها السلاح، ولا تحميها القوّة، بل يحفظها شعبٌ يعرف كيف يحبّ، وكيف يلتقي، وكيف يضع الخير العام فوق المصالح الضيّقة. الأوطان يحفظها الضمير الحيّ، وتحميها القلوب الصادقة، وتبنيها المحبّة التي تجعل الإنسان يرى في أخيه شريكًا لا خصمًا، وأخًا لا عدوًّا. إنجيل اليوم يدعونا لنحبّ بعضنا بعضًا كما أحبّنا المسيح. هذا الكلام ليس فقط للعلاقات الفرديّة، بل أيضًا للحياة الوطنيّة. فبقدر ما نستطيع أن نحبّ، ونلتقي، ونتسامح، ونضع مصلحة الوطن فوق كلّ اعتبار، بقدر ذلك نستطيع أن نبني وطنًا حقيقيًا يعيش فيه الإنسان بسلام وطمأنينة وكرامة. الأوطان لا تعيش بالخوف، بل بالثقة. ولا تعيش بالانقسام، بل باللقاء. ولا تعيش بالكراهية، بل بالمحبّة. لهذا، في وسط كلّ ما نعيشه من قلقٍ وانتظار وغموض، يبقى إيماننا صلبًا بأنّ الحبّ وحده قادر أن ينقذ الإنسان، وأن يعيد بناء الوطن، وأن يفتح باب السلام. وحده الحبّ يبقى، وبالحبّ نعيش. بالحبّ نسلّم هذا الوطن إلى الله، طالبين أن يحفظه من الشرّ والانقسام".

وختم الراعي: "لنصلِّ، أيها الإخوة والأخوات الأحبّاء: يا رب، أنت الذي أعطيتنا وصيتك الجديدة، ازرع محبتك في قلوبنا، وانزع منها كل كراهية وخوف وانقسام. علّمنا أن نحب كما أحببتنا، أن نغفر، أن نلتقي، أن نبني السلام. بارك وطننا لبنان، وأعطه نعمة الطمأنينة والاستقرار، وأبعد عنه الحروب والانقسامات والشرور. واجعلنا شهودًا لمحبتك في هذا العالم، حتى يعرف الجميع أننا لك، لأن فينا حبًا بعضنا لبعض. فنرفع المجد والشكر للآب والابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين

"