المتروبوليت اسكندر للمسؤولين: تحملوا مسؤولياتكم تجاه أبناء علما الشعب وتجاه كل القرى المتألمة
ترأس راعي أبرشية صور للروم الملكيين الكاثوليك المتروبوليت جورج إسكندر قداسًا في كنيسة مار إلياس في الدكوانة، بمشاركة أبناء بلدة علما الشعب الذين يعيشون مرارة النزوح والانتظار، وبحضور رئيس البلدية والمخاتير ووكلاء الوقف وحشدٍ من المؤمنين.
وعاون المطران اسكندر في الذبيحة الإلهية الأب المدبر أغابيوس أبو سعدى المخلصي، وكاهن رعية مار إلياس في الدكوانة الأب جورج أبو شعيا، وكاهن رعية مار إلياس في علما الشعب الأب جورج وهبي، وابن البلدة الأب يوحنا حداد، والأب إينياس عطالله المخلصي.
وبعد القداس، القى المتروبوليت إسكندر عظة قال فيها:
"نحن اليوم لا نلتقي في مناسبةٍ عادية، ولا نجتمع حول مذبح الرب لنسمع كلامًا جميلًا يخفف الوجع ساعةً ثم نعود إلى تعبنا. نحن اليوم نحمل بلدةً كاملة إلى المذبح. نحمل علما الشعب، ببيوتها، وطرقاتها، وكنائسها، ومدافنها، وأجراسها، وأراضيها، وذكريات أهلها، ودموع أبنائها. نلتقي بعيدين عن الأرض، نعم. بعيدين عن البيوت، نعم. بعيدين عن الكنيسة التي تعودتم أن تصلوا فيها، نعم. لكن علما الشعب ليست بعيدةً عنكم. علما الشعب هنا، في الوجوه، في العيون التي تخفي دمعةً ولا تستطيع، في الأمهات اللواتي يسألن بصمت: متى نعود؟ في الآباء الذين تعبوا من الانتظار، لكنهم لم يتعبوا من الرجاء، وفي المفاتيح المحفوظة في الجيوب، لا كمعدنٍ بارد، بل كعهدٍ وذاكرةٍ وصلاة".
اضاف: "في بداية هذه الذبيحة، أود أن أقول كلمة شكرٍ من القلب إلى الأب جورج أبو شعيا، الذي فتح لنا قلبه قبل أن يفتح لنا الكنيسة. لم يستقبلنا كغرباء، بل كأهلٍ بين أهلهم، وكإخوةٍ يحملون جرحًا واحدًا ورجاءً واحدًا. والشكر موصولٌ لرعيته الكريمة، لأن الكنيسة حين تفتح أبوابها للمتعبين لا تعطيهم مكانًا فقط، بل تقول لهم: أنتم لستم وحدكم. وأحيي أيضًا الأب جورج وهبي، كاهن الرعية العزيز، الذي يحمل معكم تعب النزوح، ومرارة الانتظار، وقلق السؤال اليومي. فالكاهن في مثل هذه الظروف لا يكون فقط خادم مذبح، بل ذاكرة رعية، وصوت شعب، ورفيق دمعة، وحارس رجاء".
وتابع: "نحن اليوم في الأحد السابع بعد الفصح، أحد الآباء القديسين المجتمعين في نيقية. في هذا الأحد، تضع الكنيسة أمامنا كلمتين عظيمتين: كلمة بولس الرسول إلى رعاة الكنيسة، وصلاة يسوع من أجل تلاميذه. بولس يقول: «احذروا لأنفسكم ولجميع القطيع الذي أقامكم الروح القدس أساقفة فيه، لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه الخاص». ويسوع يرفع عينيه إلى السماء ويقول: «أيها الآب القدوس، احفظ باسمك الذين أعطيتهم لي، ليكونوا واحدًا كما نحن».
كأن كلمة الله كُتبت اليوم لأجلنا. كأن بولس يتكلم إلى كل مسؤول، وكل راعٍ، وكل أبٍ، وكل أمٍ، وكل صاحب ضمير: احذروا للقطيع. لا تتركوا الناس وحدهم. لا تتركوا من تهجروا كأنهم رقمٌ في تقرير. لا تتركوا من خسروا بيوتهم كأنهم خسارةٌ جانبية. لا تتركوا من ينتظرون العودة كأن الانتظار صار قدرهم.
وكأن يسوع، وهو يصلي قبل آلامه، يصلي اليوم من أجل علما الشعب: يا أبت، احفظهم. احفظ وحدتهم. احفظ إيمانهم. احفظ ذاكرتهم. احفظهم من اليأس. احفظهم من أن يتحول الوجع إلى قسوة، والانتظار إلى انقسام، والظلم إلى حقد".
وشدد على أن "علما الشعب ليست مجرد بلدةٍ حدودية. علما الشعب بيت. ومن لا يفهم معنى البيت، لا يفهم معنى النزوح. البيت ليس جدرانًا فقط. البيت هو صوت الباب حين يفتح، ورائحة القهوة صباحًا، وصورة على الحائط، وشجرةٌ زرعها الأب، وعتبةٌ جلست عليها الأم، وطريقٌ يعرف أسماءنا، وجارٌ يسلم علينا قبل أن نتكلم، وقبرٌ نزوره لنقول لمن سبقونا: نحن لم ننسكم.
لذلك، حين يُمنع الإنسان من العودة إلى بيته، لا يُحرم من مكانٍ فقط، بل يُجرح في كرامته وذاكرته وهويته وحقه في أن يكون ابن أرضٍ لا عابرًا في أرض الآخرين. وحين تُترك بلدةٌ لأهلها خلف الخوف والدمار، لا تكون القضية قضية حجرٍ أو إسمنتٍ فقط. هناك حياةٌ كاملة. هناك عائلاتٌ لها أسماء. هناك تعب عمر. هناك كنيسةٌ صلى فيها الناس. هناك مدفنٌ يرقد فيه الآباء والأمهات والأجداد. هناك أرضٌ ليست ملكيةً عقاريةً فقط، بل أمانةٌ روحيةٌ ووطنيةٌ وإنسانية. لذلك أقول لكم اليوم، من على هذا المنبر، بهدوءٍ وثباتٍ ومسؤولية: قضية علما الشعب ستبقى حية. ستبقى حيةً في ضمير الكنيسة، في صلاتنا، في صوتنا، ما دام أبناؤها محرومين من العودة إلى أرضهم وبيوتهم".
واشار الى "أننا لا نقول هذا لنزرع حقدًا، فنحن لسنا أبناء الحقد. ولا نقوله لنستدعي عداوةً جديدة، فنحن أبناء الإنجيل. لكن الإنجيل لا يطلب منا أن نسكت عن الحق. المحبة لا تعني أن نغطي الظلم، والسلام لا يعني أن يبقى المظلوم صامتًا حتى لا ينزعج الظالم. السلام الحقيقي يقوم على العدالة. والعدالة تبدأ بأن يعود الناس إلى أرضهم، وأن تُحمى بيوتهم، وأن تُصان كنائسهم ومدافنهم وأرزاقهم، وألا يُترك الإنسان وحده أمام الخراب، ثم يقال له: اصمد".
وقال: "من هنا، ومن قلب هذه الصلاة، نرفع نداءً واضحًا إلى الدولة اللبنانية: تحملوا مسؤولياتكم تجاه أبناء علما الشعب وتجاه كل القرى المتألمة. أعيدوا الناس إلى أرضهم عودةً آمنةً وكريمةً وثابتة. احموهم في بيوتهم وأرزاقهم وطرقاتهم. فالمواطن لا يطلب امتيازًا حين يطلب الأمان، بل يطلب حقًا من أبسط حقوقه".
وناشد "المجتمع الدولي، من موقع الضمير الإنساني، أن يتحرك بجديةٍ ومسؤولية، وأن يعمل لوقف التدمير، ولحفظ ما تبقى من بيوتٍ وأرزاقٍ وكنائس وقاعاتٍ ومدافن في علما الشعب. فما يُدمر هناك ليس حجرًا فقط. كل بيتٍ هو قصة عائلة. كل حقلٍ هو تعب أيد. كل كنيسةٍ هي ذاكرة إيمان. وكل مدفنٍ هو موضع كرامةٍ وصلاة".
اضاف: "في قراءة اليوم، بولس الرسول يحذر من الذئاب الخاطفة. وهذه الكلمة لا تزال حيةً في كل زمان. هناك ذئابٌ كثيرة لا تأتي دائمًا بأنيابٍ ظاهرة. أحيانًا يأتي الذئب بشكل خوف، وأحيانًا بشكل يأس، وأحيانًا بشكل انقسام، وأحيانًا بشكل نسيان. أخاف عليكم لا فقط من الخراب الخارجي، بل من التعب الداخلي. أخاف من أن يقول أحدكم: لم يعد أحدٌ يسمعنا. أخاف من أن يقول آخر: تعبنا، فلنترك كل شيء. أخاف من أن تكبر المسافة بينكم وبين بلدتكم في قلوب أولادكم. أخاف من أن يصير الألم سببًا للتفرقة بدل أن يكون سببًا لمزيدٍ من الأخوة.
لذلك يقول لنا المسيح اليوم: «ليكونوا واحدًا كما نحن». ابقوا واحدًا. ابقوا عائلةً واحدة. ابقوا رعيةً واحدة. ابقوا أبناء بلدةٍ واحدة. لا تسمحوا للنزوح أن يفرقكم، ولا للانتظار أن يجعل الأخ غريبًا عن أخيه، ولا للوجع أن يحول القلوب إلى محاكم. إن ضاعت الوحدة، نخسر علما الشعب قبل أن نعود إليها. أما إذا بقيتم واحدًا، فستبقى علما الشعب حيةً فيكم، وستعودون إليها لا كأفرادٍ متعبين فقط، بل كشعبٍ حفظ إيمانه وكرامته وأخوته.
آباء نيقية يعلموننا هذا. فالكنيسة في ذلك الزمن واجهت اضطرابًا كبيرًا وخطر انقسامٍ كبير. لكن الآباء القديسين لم يحموا الإيمان بالصراخ، بل بالثبات. لم يدافعوا عن الحقيقة بالعنف، بل بالوضوح. لم يساوموا على الإيمان، لكنهم قالوه بروح الكنيسة.
ونحن اليوم نحتاج إلى هذه الروح عينها: أن نقول الحق بلا حقد، وأن نطالب بالعدالة بلا كراهية، وأن نرفع الصوت بلا انفعالٍ فارغ، وأن نبقى ثابتين بلا قسوة، وأن نحمل وجعنا أمام العالم بقلبٍ مسيحي لا يريد الانتقام، بل يريد أن يعود الحق إلى أصحابه".
وتوجه الى أبناء علما الشعب قائلا: "أعرف أن في قلوبكم تعبًا لا يُقال بسهولة. أعرف أن فيكم من خرج من بيته وهو يظن أنه سيعود بعد أيام، فإذا بالأيام تطول، والانتظار يصير خبزًا يوميًا. أعرف أن فيكم من ترك في البيت صورًا، وثيابًا، وأوراقًا، وأشياء صغيرةً لا يعرف قيمتها إلا صاحبها. وأعرف أن فيكم من يسأل كل يوم: ماذا بقي من بيتنا؟ ماذا بقي من الكنيسة؟ ماذا بقي من القبور؟ ماذا بقي من الطريق؟ ماذا بقي من تعب العمر؟ هذه الأسئلة موجعة، ولا يجوز لأحدٍ أن يستخف بها. لكنني أقول لكم اليوم: لا تدعوا الانتظار يسرق رجاءكم. لا تدعوا الظلم يقنعكم بأن الحق مات.
لا تدعوا المسافة تجعل أولادكم غرباء عن علما الشعب. حدثوهم عنها. قولوا لهم عن الكنيسة، عن مار إلياس، عن العيد، عن الجرس، عن الجيران، عن الحقول، عن البيوت، وعن الأسماء التي صنعت تاريخ البلدة.
لا تتركوا الذاكرة تموت، لأن الذي يفقد ذاكرته يسهل اقتلاعه. لكن لا تجعلوا الذاكرة سجنًا. لتكن الذاكرة قوةً لا مرارة، ولتكن الأمانة للبلدة باب وحدةٍ لا باب انغلاق.
نحن نريد أن تعودوا إلى علما الشعب لا حاملين سم الحقد، بل حاملين كرامة الأبناء. نريد أن تعودوا لا منكسرين، بل ثابتين. لا قساة القلوب، بل كبار القلوب. لا غرباء عن الإنجيل، بل شهودًا له" .
وقال: "يسوع في إنجيل اليوم يقول للآب: «ليكون لهم فرحي كاملًا فيهم». عجيبٌ هذا الكلام. يسوع يتكلم عن الفرح وهو ذاهبٌ إلى الصليب. أي فرحٍ هذا؟ إنه ليس فرح الراحة، ولا فرح الظروف السهلة، بل فرح الإنسان الذي يعرف أنه في يد الآب. فرح من يؤمن أن الصليب ليس الكلمة الأخيرة، وأن القيامة لا تولد خارج الجراح، بل من قلب الجراح.
نحن لا نقول إن الألم صغير، ولا إن الخراب بسيط، ولا إن العودة سهلة. لكننا نقول إن الرب أكبر من الألم، وإن الحق أقوى من الخراب، وإن الرجاء أعمق من الانتظار، وإن علما الشعب ليست خبرًا عابرًا، بل أمانةٌ في قلب الله وفي قلب أبنائها.
قد يسأل أحدكم: ماذا تفعل الصلاة أمام الدمار؟ ماذا يفعل القداس أمام السياسة؟ ماذا تفعل الكلمات أمام البيوت المهدمة؟
الصلاة لا تعفينا من العمل، ولا تُسكت الحق، ولا تلغي المطالبة. لكنها تمنعنا من أن نصير مثل ما نرفضه. الصلاة تحفظ إنسانيتنا، وتنقي صوتنا، وتجعل مطالبتنا بالحق نقيةً من الانتقام، قويةً بالمحبة، ثابتةً بالعدالة".
اضاف المتروبوليت اسكندر: "نحن نصلي لكي لا يتحول وجعنا إلى كراهية، ولكي لا يكبر الأطفال على الخوف وحده، ولكي لا ينهار المسنون تحت ثقل الانتظار، ولكي تبقى العائلات متماسكة، ولكي يعود كل إنسانٍ إلى أرضه بسلامٍ وكرامة.
أحبائي، الكنيسة لن تنسى علما الشعب. أبرشية صور لن تنسى علما الشعب. ومذبح الرب لن ينسى علما الشعب. كل مرةٍ نرفع فيها الكأس المقدسة في صور، سنحمل أسماءكم وبيوتكم وأوجاعكم ورجاءكم.
نحن لا نملك جيوشًا، ولا نملك قراراتٍ دولية، ولا نملك مفاتيح السياسة الكبرى. لكننا نملك الأمانة، ونملك الصلاة، ونملك كلمة الحق، ونملك حضور الكنيسة إلى جانب أبنائها، ونملك هذا اليقين: أن الله لا يترك شعبًا يضع وجعه على مذبحه.
واليوم، من هذه الكنيسة، لا نودع علما الشعب، بل نجدد العهد معها. لا نقول لها: كنت لنا. بل نقول لها: أنت لنا، ونحن لك. لا نقول: انتهت الحكاية. بل نقول: الحكاية مستمرة، والحق مستمر، والرجاء مستمر، والصلاة مستمرة".
واردف: "يا رب يسوع، أنت الذي رفعت عينيك إلى السماء وصليت من أجل تلاميذك، ارفع اليوم وجوه أبناء علما الشعب من الحزن إلى الرجاء. احفظ أبناءها وبناتها، شيوخها وأطفالها، بيوتها وما تبقى منها، كنيستها وقاعاتها ومدافنها. احفظ حقها في العودة، واحفظ وحدتها من التفرقة، وقلوب أبنائها من اليأس.
يا رب، ابن ما تهدم في الحجر، واجبر ما انكسر في القلب، وافتح طريق العودة بسلامٍ وكرامة. واجعل أبناء علما الشعب واحدًا كما تريدهم أنت، لكي لا ينتصر عليهم الخوف، ولا يبتلعهم النسيان، ولا يطفئهم الظلم.
ولتكن ذبيحتنا الإلهية اليوم فعل إيمان، وفعل مقاومةٍ روحية، وفعل محبة. إيمانًا بأن الله لا ينسى دمعةً واحدة. ومقاومةً روحية لأننا نرفض أن يتحول التهجير إلى قدر. ومحبةً لأننا نريد العودة إلى الأرض لا حاملين حقدًا، بل حاملين كرامة الأبناء".
وختم المتروبوليت اسكندر: "قضية علما الشعب ستبقى حيةً في صلاتنا، وفي ضميرنا، وفي كنيستنا، وفي كل كلمة حقٍ نقولها بمحبة. وستبقى علما الشعب، مهما طال الغياب، بلدةً لأبنائها، وجرحًا في قلب الكنيسة، ووعدًا بالعودة".
وبعد القداس، عُقد لقاءٌ أخويٌ في قاعة الكنيسة جمع المتروبوليت إسكندر والآباء الكهنة بأبناء علما الشعب، في أجواءٍ عائليةٍ صادقة، تخللها تبادل أحاديث واطمئنان إلى أوضاع العائلات، والإصغاء إلى هواجسهم المرتبطة بالنزوح والانتظار والعودة. وقد شكّل هذا اللقاء امتدادًا طبيعيًا للقداس، إذ لم تبق الصلاة داخل الكنيسة فعلًا طقسيًا فحسب، بل تحولت إلى مرافقةٍ قريبةٍ ولقاءٍ مباشرٍ مع الناس، يؤكد أن الكنيسة تقف إلى جانب أبنائها، تسمع وجعهم، وتحمل معهم رجاء العودة بكرامةٍ وسلام.