رسائل تصعيد متبادلة تركية وروسية وأميركية على خلفية التقارب المحتمل بين دمشق وأنقرة


On 30 September, 2022
Published By Tony Ghantous
رسائل تصعيد متبادلة تركية وروسية وأميركية على خلفية التقارب المحتمل بين دمشق وأنقرة

رغم أن مسار التقارب بين سوريا وتركيا واجه فور انطلاقته عقبات وتحدّيات حالت دون انتقال الجانبين من التفاوض الأمني إلى مستوى التفاوض السياسي الذي كان محور الوساطة الروسية، كان مجرد توافق دمشق وأنقرة على تدشين هذا المسار بدفع روسي وإيرانيّ، كافياً على ما يبدو لتحريك المياه الراكدة ودفع بعض الدول والجهات إلى التوجّس مما يمكن أن يترتب عليه من آثار وتداعيات كبيرة على مجمل الملف السوريّ من جهة، وعلى موقع هذا الملف ضمن الكباش الدوليّ الحاصل على هامش الحرب الروسية – الأوكرانية، من جهة ثانية. وقد انعكس ذلك على الساحة السورية التي شهدت في اليومين الماضيين مؤشرات الى التصعيد بين واشنطن وموسكو وبين موسكو وأنقرة.

 

... وكيان سياسي جديد!

نفّذت المقاتلات الجوية الروسية يوم الثلثاء، أربع غارات على موقع لفصيل مسلح موالٍ لتركيا، لا يبعد من الحدود التركية سوى 1 كيلومتر، وذلك في خطوة نادرة الحدوث، لا سيما في ظل تفاهم سابق بين تركيا وروسيا يحظر القصف على الشريط الحدودي ضمن عمق يصل إلى 5 كيلومترات.

 

وذكرت مصادر ميدانية أن 4 غارات جوية استهدفت موقعاً لـ "جيش العزة" المدعوم من تركيا، شمال إدلب، مشيرةً إلى أن القصف الجوي الروسي تم بصواريخ دقيقة وشديدة الانفجار استهدفت معسكر "جيش العزة" الذي يقع على بعد 1 كلم من معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا.

 

وقال المصدر العسكري، إن قائد "جيش العزة" وقادة من الصف الأول نجوا من الاغتيال بالقصف الجوي وأن أولى الغارات الجوية كانت على بعد أمتار قليلة من مكان تواجدهم داخل المعسكر التدريبي.

 

وأضاف أنه تم إجلاء كل العناصر والقادة من المعسكر وعلى رأسهم قائد "جيش العزة" الرائد جميل الصالح بعد أول غارة جوية، وبعد وصول معلومات كانت متأخرة نوعاً ما عن وجود إحداثيات بالقصف الجوي الروسي على المنطقة.

وأكدت المصادر أن الغارات الثلاث أصابت بشكل مباشر المعسكر التدريبي في المنطقة وأن دماراً كبيراً حصل في المنطقة المستهدفة، حيث سقطت الصواريخ على ساحة المعسكر ومحيطه وتسببت بهدم عدد من الغرف الإسمنتية داخله، مع تدمير المدخل الرئيسي للمعسكر من الجهة الجنوبية.

 

ووفقاً للمصادر فإن المعسكر التدريبي كان يضم أكثر من 300 مقاتل من قادة وعناصر وإداريين صباح الثلثاء خصوصاً أن القيادة العسكرية تعمل على تدريب دورة عسكرية في المنطقة بهدف زجها في جبهات القتال.

 

ورأى مراقبون للمشهد السوري أن القصف الروسي لموقع ملاصق تقريباً للحدود التركية مع سوريا، جاء بعد تصريحات المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالين، التي أكد فيها "عدم وجود أي خطط للاتصال السياسي مع دمشق حالياً"، وأشار المراقبون إلى أن التصريح التركي ربما يكون استفزّ الدبلوماسية الروسية التي كانت تراهن على أن الظروف الحالية والتفاهمات مع أنقرة أصبحت تسمح بفتح قناة اتصال سياسية بين تركيا وسوريا، غير أن تصريح كالين جاء ليبعثر الآمال الروسية، وهو ما استدعى أن تقوم موسكو بغارة قريبة من الحدود التركية كرسالة ضغط على أنقرة للمضيّ قدماً في مسار التقارب.

 

وإلى جانب ذلك، تبذل موسكو جهوداً سياسية بهدف العمل على إيجاد كيان سياسي معارض لا تكون لديه اعتراضات على الانخراط في سياسة المصالحة بين الفرقاء السوريين المتخاصمين، والتي أعلنتها أنقرة بلسان وزير خارجيتها جاويش أوغلو وأدت في حينه إلى وقوع احتجاجات شديدة ضدها.

 

وشهدت مكاتب وزارة الخارجية الروسية في 14 أيلول (سبتمبر) الجاري اجتماعاً لقيادات من مختلف منصات المعارضة السورية. وحضر الاجتماع كل من رئيس منصة موسكو قدري جميل، والنائب السابق لرئيس هيئة التفاوض خالد المحاميد، وممثل هيئة التنسيق في موسكو عادل إسماعيل، وعضو مجلس سوريا الديموقراطية "مسد" سيهانوك ديبو، وعضو المبادرة الوطنية في جبل العرب حسن الأطرش، بالإضافة إلى عبيدة النحاس من حركة التجديد الوطني، وعضو حزب الإرادة الشعبية علاء عرفات، والممثل عن حزب سوريا المستقبل علي العاصي.

 

وذكرت تقارير إعلامية أن الهدف من ترتيب هذا الاجتماع الذي جاء بطلب مباشر من قدري جميل المقرب من موسكو، هو إطلاق محاولة أكثر تماسكاً تصل إلى إنتاج جسم سياسي معارض جديد يكون بديلاً من هيئة التفاوض.

 

واشنطن: إمدادات جوية ... وترتيبات سياسية

من جهة أخرى، وجهت واشنطن ما يمكن وصفه برسالة تصعيد كامنة، من خلال تخليها من طريق الإمداد البرّي الوحيد الذي كانت تستخدمه لتعزيز قواتها في سوريا، ولجوئها عوضاً عن ذلك إلى افتتاح مسار للإمداد الجوي. وبحسب الموقع الرسمي لـ"غرفة عمليات العزم الصلب"، فإن "طائرة تابعة للقوات الجوّية الأميركية، من طراز C-17، أحضرت إمدادات حيوية إلى سوريا". وأضاف قائد الغرفة أنه "للمرة الأولى يمكن لقوات التحالف أن تنتشر في أيّ مكان، وفي أيّ وقت، لتمكين شركائنا الذين يحافظون على ضمان أمن المنطقة"، في إشارة إلى "قوات سوريا الديموقراطية" (قسد).

 

وإلى جانب إنشائها قاعدة جديدة بالقرب من مطار القامشلي حيث تتواجد القوات الروسية، يمكن اعتبار خطوة الإمداد الجوي إشارة واضحة إلى نيّة الولايات المتحدة توسيع حضورها العسكري في سوريا لتحقيق أهداف مختلفة. ويبرز من بين هذه الأهداف: توجيه رسالة مفادها أنها لن ترضخ للضغوط، بل ستواصل تحشيد قواتها في المنطقة، ذلك أن أميركا تخشى الضغط الذي تواجهه قواتها على الأرض من القوات السورية والروسية والإيرانية، سواء في ما يتعلق بالقصف المتكرر على قواعدها العسكرية في التنف وحقل العمر، أم في عرقلة الدوريات التي تقوم بها قواتها في بعض المناطق في شرق سوريا. ويتمثل الهدف الثاني في رغبة الولايات المتحدة في تكريس حدود معينة لمناطق النفوذ التي تتقاسمها مع كل من روسيا وإيران وسوريا في الشرق السوري، بحيث تضمن ألا تؤدي أي تغييرات سياسية محتملة الحدوث إلى التلاعب بهذه الحدود، وتشمل هذه التغييرات مساعي التقارب بين دمشق وأنقرة، وكذلك مساعي مشابهة على خط دمشق – "قوات سوريا الديموقراطية"، وقد يكون حضور سيهانوك ديبو الاجتماع الذي عقد في موسكو بمثابة مؤشر الى تذبذب الموقف الكردي وعدم رغبته في وضع كلّ بيضه في السلة الأميركية وحدها.

 

وإلى جانب خطوة الإمداد الجوي، تسعى واشنطن إلى تفعيل مساعيها لتنشيط مسار الحوار بين الجناحين الكرديين: حزب الاتحاد الديموقراطي من جهة، والمجلس الوطني الكردي من جهة ثانية، من أجل دفع الفريقين إلى الاتفاق على ترتيبات بينهما لإدارة منطقة شرق الفرات بعيداً من نفوذ دمشق وموسكو.

 

وكانت واشنطن عزلت قبل أيام  قائد جيش "مغاوير الثورة" مهند الطلاع وعينت بدلاً منه النقيب فريد القاسم في خطوة تهدف الى الضغط على تركيا، لأن الطلاع كان معروفاً بقربه من الاستخبارات التركية، وكان يرفض إجراء أي تقارب أو القيام بأي عمل عسكري بالتحالف مع "قوات سوريا الديموقراطية"، ولعل واشنطن وجدت أن الوقت قد حان من أجل تصفية الخلافات بين حلفائها على الأرض.

 

وهكذا يبدو المشهد السوري يضجّ بتغييرات ورسائل متبادلة قد تكون جاءت نتيجة تأثيرات خارجية على رأسها الحرب الأوكرانية، ولكن من المتوقع أن تتخذ هذه التغييرات منحى تصاعدياً أكثر على وقع التقدم الذي يمكن أن تشهده مسارات الحوار المختلفة، سواء بين دمشق وأنقرة من جهة، أم في ما بين الجناحين الكرديين من جهة ثانية، ومن غير المستبعد أيضاً أن تتحول رسائل التصعيد الكامنة إلى رسائل مباشرة وأكثر حدة من الطرف الذي يرى أن التطورات لا تخدم مصالحه.

المصدر: النهار العربي

عبدالله سليمان علي

المصدر: "المصدر: النهار العربي"




إقرأ أيضاً

انتخابات مجلس الأمة الكويتي... تغييريون والمرأة عادت
أردوغان: أكثر من نصف مليون لاجئ سوري عادوا إلى بلادهم