"دمج السوريين" إلى الواجهة... وقرار الدولة حاسمٌ: "لا"


On 27 June, 2022
Published By Tony Ghantous
"دمج السوريين" إلى الواجهة... وقرار الدولة حاسمٌ: "لا"

لا يزال التاريخ يكرر نفسه في هذه البلاد، ولكن في صورة كارثية هذه المرة. ف#لبنان الذي وُسم تاريخياً بأنه وطن اللجوء، وأن جميع مكوناته الإتنية والطائفية تتحدر بشكل أو بآخر من أصول غير لبنانية، نزحت إليه طلباً للأمان والإستقرار والحرية، أو هُجرت اليه قسراً في أزمنة وقرون مختلفة، لم يعد قادرا أن يستمر على كل المستويات السياسية والأمنية والإجتماعية والاقتصادية، في تحمّل اعباء النزوح السوري. هذا النزوح إجتاح أرضه بصورة فوضوية وعشوائية مع بداية الثورة السورية في العام 2011، من دون أي تنسيق يُذكر مع أجهزة الدولة، أو حتى استئذانها، لا بل كان للسوريين إمكان الدخول بسهولة مطلقة الى كل الأراضي اللبنانية، واختيار المنطقة والمسكن الذي يشاؤون، من دون أي وازع تنظيمي أو قانوني يحدد مواقع انتشارهم ومخيماتهم، فطاول الإنفلاش على نحو متفاوت نحو 950 قرية وبلدة لبنانية من أصل 1050، وانتشرت المخيمات العشوائية التي تفتقد أدنى المقومات الإنسانية على طول أوتوسترادات البقاع وعكار بصورة فوضوية.

وعلى رغم وجود العمال السوريين بكثافة في لبنان منذ بداية التسعينات، إلا أن موجات اللجوء شكلت التحدي الأكبر للدولة اللبنانية التي وجدت نفسها عاجزة عن تلبية متطلبات وحاجات مليون ونصف مليون إنسان دفعة واحدة يشكلون نحو 38% من عدد سكانه، لذا لجأت الى المنظمات والمؤسسات الإنسانية الأممية والدولية، لمساعدتها على تحمّل تكاليف الإيواء ومستلزمات الحماية الانسانية والاجتماعية لهذا العدد البشري الضخم الذي تنوء كبرى الإقتصادات بتحمّله، فكيف بلبنان الذي يعاني أصلا خللا بنيويا في اقتصاده ومعدلات النمو؟ وتدخلت "الأمم" وشكلت شبكة أمان إنساني وصحي وسكني مقبول نسبيا، رفع عن الدولة المسؤولية المباشرة، لكنه لم يلغِ الآثار الكارثية الاخرى على البنية التحتية اللبنانية، والمالية العامة، والأمن الغذائي والإجتماعي، وانعكاس كل ذلك سلبا على الإستقرار الإقتصادي والأمني العام.

لطالما شكّل اللجوء الى لبنان بندا خلافيا بين اللبنانيين، فالخوف من توطين اللاجئين الفلسطينيين أشعل الحرب الأهلية عام 1975، والإنتشار العشوائي للاجئين السوريين في مختلف مناطق لبنان، وخصوصا المناطق ذات الحساسية السياسية أو الطائفية، شكّل في العقد الأخير خوفا وإشكالات أمنية، بسبب الفوضى أولا وبسبب تسلل التنظيمات الإرهابية والدينية المتطرفة، والتستر باللجوء لممارسة العديد من الأعمال الأمنية والعسكرية التي دفع لبنان وجيشه ثمنا كبيرا لكبح تفلتها وفرض النظام. لكن بدا في الآونة الأخيرة أن أمرا ما يحصل، مع المنظمات الأممية والدول المانحة، وأن ما كان يقال همسا وخفرا، صار متداولا علنا وبلا خجل، وأن مشروع توطين اللاجئين السوريين في لبنان قائم وجدي، ومطلوب دوليا وعربيا، وتلطيف العبارة بـ"الدمج" يعرف اللبنانيون خباياها، فهم اختبروها مع اللاجئين الفلسطينيين، وقبلهم الأرمن، فيما الوقت كفيل بتثبيت الإقامة والتوطين قبل الشروع بالتجنيس.

لماذا هذا الكلام الآن؟ ليس خافيا أن لبنان الذي ينوء تحت أكبر أزمة اقتصادية ومالية في تاريخه لم يعد في مقدوره تحمل الاعباء الناجمة عن الوجود السوري فيه، وما المواقف الاخيرة لرئيس الحكومة نجيب ميقاتي أن لبنان يحضّر لخطة ترحيل لشريحة واسعة من السوريين وأن الفئة الوحيدة التي ستبقى في لبنان هي تلك التي تملك تصريحات إقامة سياحية أو عمل، إلا دليل على حجم الضغوط التي يتعرض لها لبنان من جراء ذلك. وثمة من يقول إن هذه المواقف جاءت على خلفية ما نُمي اليه من خطط تحضَّر خلف الكواليس لدمج السوريين وانخراطهم في المجتمع اللبناني، ومنح الإقامة للجميع، وفتح مجالات العمل لهم مع تأمين كل المستلزمات بمعزل عن خصائص الدول المضيفة والخصوصية الديموغرافية فيها ومدى إمكاناتها. وهذا الامر كان واضحا في الاجتماع الذي عقد في العاصمة البلجيكية بروكسيل حول النازحين السوريين وضم أكثر من 200 مندوب من جمعيات المجتمع المدني العالمي والبرلمان الأوروبي، وحضره وزير الشؤون الاجتماعية هيكتور حجار الذي ألقى كلمة حاكت بالارقام الوضع اللبناني مع النزوح السوري.

يأتي هذا المشروع المدمر للهوية اللبنانية ديموغرافيا واجتماعيا واقتصاديا، والمغيّر لهوية لبنان التعددي والثقافي، في ظل أزمة إقتصادية وسياسية تقضّ مضاجع اللبنانيين، وتزيد من معلات الفقر والعوز بينهم، يخيّرهم خلالها واضعو الخطة بين القبول بالتوطين تحت بند "الدمج" مع تسهيلات وإغراءات مالية، ومنح ومساعدات إقتصادية، أو الرفض، والإستمرار في سلوك دروب الإنهيار والسقوط على جميع المستويات، حتى قيل إن السماح باستجرار الكهرباء من الأردن ومصر عبر سوريا، واستخراج الغاز والنفط من المياه الجنوبية، صارا مشروطين بالشروع في تمرير توطين السوريين.

السوريون يبيعون الخبز المدعوم في السوق السوداء!

هشاشة الوضع الانساني والاجتماعي للاجئين السوريين، لا تزيد حاليا عن هشاشة الوضع الإنساني والإقتصادي للبنانيين، الذين يئنون من انهيار سعر صرف الليرة، وغياب الكهرباء والماء والدواء والاستشفاء، ولا يجدون أعمالا أو وظائف، أو قدرة على منافسة اليد العاملة السورية في مختلف المهن والتجارة الصغيرة، في وقت يتلقى اللاجئون السوريون معونات مالية شهرية بالدولار "الفريش"، وإيجار منزل، وبطاقات تموين وطبابة تصل الى تغطية عمليات الولادة، ويمارسون أشغالا وأعمالا تجارية وصناعية وزراعية، تنافس اليد العاملة اللبنانية. كما ينخرط الكثير منهم مع مجموعات لبنانية، في حلقات تهريب على جانبي الحدود اللبنانية والسورية، تنقل بضائع وسلعا أساسية ومواد تموين وأدوية، تصل قيمتها الى 3 مليارات دولار سنويا تقريبا، حتى أن أزمة الرغيف الحادة التي يعاني منها لبنان اليوم يعود بعضها وفق ما يكشف الوزير حجار لـ"النهار" الى انتظام مجموعات كبيرة من الشبان والاطفال السوريين على أبواب الأفران وشراء ما أمكن من الخبز ليعاد بيعه في السوق السوداء بأسعار مضاعفة.

ولبنان الذي يقف عاجزا اليوم أمام أزمة الامن الغذائي، وتحديدا حيال أزمة الخبز إذ خفّض نسبة الدعم على القمح من 23 مليون دولار شهريا الى نحو 12.5 مليون دولار، لن يكون في امكانه الاستمرار بهذا الوضع، وفق حجار الذي يقدر نسبة استهلاك العائلات السورية للخبز يوميا بنحو 400 ألف ربطة "اي ما يشكل نحو 9 ملايين دولار شهريا من نسبة الدعم، بما يعني أن ثلاثة ارباع الدعم يذهب للسوريين". يضاف الى ذلك الضغط الذي يشكله النازحون على استهلاك المياه التي تحتاج الى كهرباء ومازوت لضخها الى المنازل، عدا عن مشكلة النفايات الصلبة ومعالجتها وغيرها من الأزمات التي لا يجد اللبنانيون لها حلا أو تمويلا لمعالجتها.

الوزير حجار الذي عاد بقرار حاسم من بروكسيل مفاده أنه لا لدمج السوريين بالمجتمع اللبناني، ولا للدمج المقنَّع، يؤكد ان "ثمة ترابط بالمشاكل، ولكننا نحاول تهدئة الوضع بالمجتمع المحلي لنخفف الضغط والتوتر ما بين المواطنين اللبنانيين والنازحين السوريين، ولكنني متخوف كثيرا من أن تخرج الامور عن السيطرة". من هنا يؤكد حجار أن لبنان ذاهب نحو "مبادرات متقدمة تقوم على الاتفاق مع المجتمع الدولي والامم المتحدة على تعريف النازحين وتحديد من هم وفق القانون الدولي، وكل من ليسوا نازحين بحسب التعريف الدولي سيطبق عليهم القانون اللبناني (تدابير الامن العام واجازات العمل والحجوزات في الفنادق... )... على ان يطبق لبنان هذه التدابير منفردا أو بالتعاون مع الجهات الدولية، علما اننا نفضل التعاون نحو السير بخطوات العودة الآمنة للنازحين". وقال: "نقوم بخطوات تصاعدية لمواكبة عدم دمج النازحين السوريين وتطبيق القانون ومواكبة عودتهم الآمنة والسريعة الى بلادهم".

ولفت الى أن "مجلس الوزراء وافق اخيرا على اعتماد استراتيجية وطنية للحماية الوطنية على ان ننجز اعادة صياغتها خلال 6 أشهر، بحيث تأخذ في الاعتبار اعتماد الاستراتيجية الوطنية للحماية الاجتماعية من اجل اللبنانيين ومن أجل اللبنانيين فقط، على ان يكون تعريف الحماية الاجتماعية كالآتي: "ان الحماية الاجتماعية هي حق من حقوق المواطن اللبناني يتوجب على الدولة تأمينه وكفالته من خلال سياسات وبرامج وآليات ممنهجة تضمن له العيش بكرامة واستقلالية بعيدا من المخاطر المعيشية والاجتماعية في مختلف مراحل الحياة"... أما كل ما يتعلق بشؤون اللاجئين والنازحين فهو يتبع لبرامج الامم المتحدة بالتعاون مع الدولة اللبنانية، على ان تحترم هذه البرامج الدستور اللبناني وكل مقررات الحكومات السابقة والحالية بما يعني النازحين واللاجئين".

المصدر: "النهار"

سلوى بعلبكي

المصدر: "النهار"

إقرأ أيضاً

الأزمة انعكست على اليخوت والمراكب فهجرت لبنان: الأتراك اغتنموا الفرصة واشتروا 150 يختاً "بالبلاش"!
زيادة 22% بأسعار السيارات الكهربائية بأميركا خلال ‏أيار