ماكرون لن يتأثر بتغيير داخلي وماضٍ في أولوية ثابتة بدعم لبنان


On 27 June, 2022
Published By Tony Ghantous
ماكرون لن يتأثر بتغيير داخلي وماضٍ في أولوية ثابتة بدعم لبنان

على رغم فشل الكتلة المؤيدة للرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون في الحصول على الغالبية في الجمعية الوطنية الفرنسية، فان ثوابت السياسة الخارجية الفرنسية في دعم #لبنان على مر العهود الرئاسية مستمرة. ففرنسا تدعم لبنان على نحو منتظم، وعلى رغم عدم تجاوب اللاعبين السياسيين مع النصائح الفرنسية سيبقى الملف اللبناني من اولويات باريس.

 

فشل الرئيس ماكرون وكتلته النيابية في الحصول على الاكثرية المطلقة في الجمعية الوطنية الجديدة أتى بعد اقل من شهرين على اعادة انتخابه لولاية رئاسية ثانية مدتها خمس سنوات.

 

وكانت الاستطلاعات تشير الى فوز كتلته "معا" في الانتخابات التشريعية لتأمين استقرار سياسي وتسهيل عمل المؤسسات بحيث تستفيد الكتلة من الديناميكية الرئاسية لتأمين الغالبية الكفيلة بالاقتراع لسنّ القوانين التي اعلن عنها ماكرون في برنامجه الانتخابي خلال حملته الرئاسية. ووجد الرئيس نفسه مضطرا، على رغم انتصاره في الانتخابات الرئاسية، الى البحث عن اصوات اضافية لدى الكتل والاحزاب الاخرى ليتمكن من تسيير امور الدولة.

 

ما يميز الجمهورية الخامسة عن سابقاتها ان مركز السلطة والقرار هو في قصر الاليزيه فيما هناك مخاوف من العودة الى مفاهيم الجمهورية الرابعة التي كانت الجمعية الوطنية وكتلها النيابية تقيم الحكومات وتسقطها بوتيرة مرتفعة.

 

وستتحول ولايته الثانية الى عهد من المساومات المتواصلة بحثاً عن غالبية مستعدة لتأييد مشاريع القوانين التي ستقدمها حكومته. خلال ولايته الاولى مارس ماكرون الحكم عموديا، فأفكاره كانت تطرحها الحكومات المتعاقبة مشاريع قوانين تؤيدها الجمعية الوطنية باكثرية مطلقة ولم تخذله مرة.

 

اما في المجلس الجديد فالامور مختلفة، اذ قرر الشعب الفرنسي عدم التجديد لـ "رئاسة قوية"، وجعل الرئيس المنتخب اسير المفاوضات والتسويات البرلمانية، اي ان البرلمان سيستعيد دوره الرقابي للسياسة الحكومية.

 

ويتعين على ماكرون تغيير اسلوبه في الحكم فيتقبل انتقادات المعارضة، ويعود اليه تحديد الجهة او الجهات التي يمكن التعامل معها لتأمين الغالبية خلال السنوات الخمس المقبلة.

وبمعزل عن المخاوف الداخلية من جراء فقدانه الغالبية، يثير الوضع الخارجي الكثير من المخاوف والتساؤلات لارتباط الوضعين وتأثير كل منهما على الآخر. وابرز المشاكل الحرب الروسية على اوكرانيا وتداعياتها على المستقبل الاوروبي وحلف شمال الاطلسي والعلاقات مع روسيا والامن الغذائي، اضافة الى الازمات الاقليمية التي تلعب فيها فرنسا دورا مثل الوضع في منطقة الساحل الافريقي وعودة التوتر بين تركيا واليونان وازمة الطاقة المتنوعة. وبالطبع ثمة تناقضات بين ماكرون من جهة وبين اليسار الراديكالي واليمين المتطرف حول هذه المواضيع. وكل هذه الازمات الدولية تستدعي وجود حكومة فاعلة وقادرة على التصرف تساندها غالبية موصوفة في الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ.

 

غير ان الرئاسة الفرنسية تتمتع بحرية في تحديد سياسة فرنسا الخارجية وبشكل اقل ضمن الاتحاد الاوروبي، اذ ان الاليزيه يبقى مركز القرار في السياسة الخارجية الفرنسية وفي كل ما يتعلق بالسياسة الدفاعية، لان الرئيس هو قائد القوات العسكرية الفرنسية. ويجب الاخذ في الاعتبار ان ماكرون ليس في مرحلة "تعايش" مع رئيس وزراء من ضفة اخرى، يمكنها ان تقيّد تحركه الخارجي.

 

اما بالنسبة الى لبنان فان الطبقة السياسية التي حكمت فرنسا منذ انشاء الجمهورية الخامسة عام 1958 كانت وما تزال قريبة من لبنان. فهي المدافعة الاولى عن استقلاله واستقراره وسيادته في المحافل الدولية وحتى على الارض. ومن جهة ثانية كانت السياسة الفرنسية العربية ثابتة على مدى اكثر من خمسين عاما. فاليمين الفرنسي في عهد الرؤساء شارل ديغول وجورج بومبيدو وفاليري جيسكار- ديستان وجاك شيراك ونيكولا ساركوزي، والاشتراكيون في عهد الرئيسين فرنسوا ميتيران وفرنسوا هولاند استمروا من خلال حكومات متعاقبة في تقديم المساعدات ودافعوا عن سيادة لبنان واستقلاله من خلال مؤتمرات دولية ومساعدات عسكرية. وتابع الرئيس ماكرون هذه السياسة وما زالت باريس وستبقى الشريك الاول للبنان في ظل وضع داخلي لبناني متأزم.

 

لقد قدّم ماكرون خريطة طريق لاخراج لبنان من محنته، وحدد الشروط والاصلاحات الضرورية لقيامته وجمع المساعدات الدولية للشعب اللبناني. كما انه وفريق عمله ساهما بشكل كبيرفي حض الافرقاء في الداخل على تشكيل حكومة الرئيس نجيب ميقاتي كما في اعادة تكليفه أخيرا بعدما قام بالخطوات المطلوبة منه دوليا: التفاوض مع صندوق النقد الدولي ووضع خطة للتعافي المالي واجراء الانتخابات النيابية. وتأمل باريس خلال الوقت الضائع، قبل الانتخابات الرئاسية، من مجلس النواب اللبناني المصادقة على المشاريع الاصلاحية والقوانين الضرورية لانعاش البلد مع انها تعتبر ان التغيير الحقيقي لن يتم قبل انتخاب رئيس جديد للجمهورية يشكل القاطرة التي ستسير بالبلد نحو مستقبل افضل. وسيبقى الملف اللبناني من الملفات التي تتابعها باريس بدقة.

 

ويجب الاشارة ايضا في ما يتعلق بلبنان الى ان وزيرة الخارجية الحالية كاترين كولونا كانت الناطقة الرسمية باسم الرئيس جاك شيراك خلال ولايته الاولى، وتابعت الى جانبه الوضع اللبناني من كل جوانبه.

 

باريس ما زالت مستمرة بسياستها تجاه لبنان، وفقدان ماكرون الغالبية لن يؤثر كثيرا على موقعها إذ طالبت الخارجية الفرنسية بعد تكليف الرئيس ميقاتي بتشكيل حكومة على الفور قادرة على تنفيذ الاصلاحات الهيكلية اللازمة لتعافي البلد، كما تم التفاوض عليها في نيسان الماضي مع صندوق النقد الدولي. وهي تعول على القوى السياسية الممثلة داخل البرلمان للعمل من دون تأخير لخدمة المصلحة العامة للبلاد نظرا الى التدهور المستمر للأوضاع المعيشية للبنانيين.

المصدر: "النهار"

باريس - سمير تويني

المصدر: "النهار"

إقرأ أيضاً

مسار "مدّ اليد" للتأليف وفرنسا تصعّد الضغط
قيصر المعلوف: علة العلل تكمن في "حفلات" المزايدة بين التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية