طريقان في الحياة


On 16 May, 2022
Published By Tony Ghantous
طريقان في الحياة

"نحن الشعبُ الوحيدُ المتخلِّفُ في العالَمِ الذي يموتُ
وهو يرفعُ صُوَرَ قاتليه قبلَ كلِّ انتخابات" (جبران خليل جبران)


تروي الميثولوجيا اليونانيّةُ أنّ البطلَ #هِرَقْلَ وجد نفسَه في بداية حياته بين طريقَيْن: طريق الفضيلة وطريق الرذيلة. فاختار طريقَ الفضيلة ولم يَحِدْ عنها طوالَ حياته. في حياة الإنسان خيارٌ أساسيٌّ يرافقه على مدى حياته. ووضعُ هذا الاختيار في بدء حياة هذا البطل هو تعبيرٌ عمّا عاشه طوال حياته. كذلك فإنّ قصّةَ آدمَ وحوّاءَ في بدء الخليقة ورفضَهما طاعةَ أمر الله هي أيضًا تعبيرٌ عن انحراف الإنسانيّة على مدى العصور وابتعادها عن الله. فالخيار كان ولا يزال بين الله والشهوة الأنانيّة. كما أنّ روايةَ الإنجيل لتجارب يسوع في بدء حياته العلنيّة هي تعبيرٌ عمّا عاشه يسوع طوالَ حياته. فالخيارُ الأساسيُّ الذي رافق يسوع على مدى حياته هو اتّحادُه بالله وتتميمُ إرادته. وهذا ما يظهر من خلال أجوبته الثلاثة للمجرِّب، التي عاد من خلالها إلى إرادة الله المدوَّنة في الكتاب المقدَّس: "إنّه مكتوبٌ: ليس بالخبز وحدَه يحيا الإنسان بل بكلِّ كلمةٍ تخرج من فم الله"؛ "إنّه مكتوبٌ أيضًا: لا تُجرِّبِ الربَّ إلهَكَ"؛ "إنّه مكتوب: للربّ إلهكَ تسجد وإيّاه وحده تعبد" (متّى 1:4-7). كلُّ إنسانٍ يسلك في حياته استنادًا إلى خيارٍ أساسيٍّ يرافقه على مدى حياته: فإمّا يختار الله الذي هو الخيرُ المطلَق وإمّا يختار ذاتَه الأنانيّة. هذا ما عناه يسوع بقوله: "ادخلوا من الباب الضيِّق: فإنَّه واسعٌ البابُ ورحبةٌ الطريقُ المؤدِّيةُ إلى الهلاك. وكثيرٌ هم الذين يسلكونها. ما أضيقَ البابَ وأحرجَ الطريقَ المؤدِّيةَ إلى الحياة، وقليلٌ هم الذين يجدونها" (متى 13: 7-14).

هناك إذن طريقان: طريقُ الخير، وهي طريقٌ حَرِجة، لأنّها تتطلَّب من الإنسان السيطرةَ على شهواته وأهوائه، لكنّها تؤدِّي إلى الحياة؛ وطريقُ الشرّ التي من خلالها يختار الإنسان ذاتَه الأنانيّة المتمثّلةَ بشهواته وغرائزه، وهي طريقٌ سهلةٌ لكنّها تؤدّي إلى الهلاك. طريقُ الخير هي طريقُ المحبّة التي تحمل الإنسانَ على أن يتخلَّى عن أنانيّته ويُضحِّي بذاته في سبيل الآخرين، كما قال يسوع: "ليس لأحدٍ حبٌّ أعظمُ من أن يبذلَ نفسَه عن أحبّائه" (يوحنّا 13:15). وهذه الطريقُ هي التي سلكها يسوع، كما قال عن نفسه: "إنّ ابنَ البشر لم يأتِ ليُخدَمَ بل ليَخدُمَ وليبذلَ نفسَه فديةً عن كثيرين" (متّى 28:20). وقد بيّن ذلك بالمثل عندما غسل أرجلَ تلاميذه، ومعروفٌ أنّ هذا العملَ هو عملُ الخدّام. فبقيامه بهذا العمل أراد يسوع أن يوضحَ لتلاميذه الطريقَ التي يجب عليهم أن يسلكوها: طريقَ المحبة والخدمة. وهذا ما عناه أيضًا عندما "دعا الجمعَ مع تلاميذه وقال لهم: مَنْ أراد أن يتبعَني فليُنكِرْ نفسَه ويحملْ صليبَه ويتبعني" (مرقس 34:8). فالصليب هو علامة الموت عن الذات.

وفي مثل الدينونة بيَّن يسوع عمليًّا ما هي الطريق الحرجة التي تؤدِّي إلى الحياة: إنّها طريق الذين يتخلَّون عن أنانيَّتهم ويمارسون المحبّةَ والخدمةَ من خلال الاعتناء بالجياع والعطاش والمرضى والمشرَّدين والمسجونين، فهؤلاء يرثون "الملكوتَ السماويَّ المُعدَّ لهم منذ إنشاء العالَم" (متّى 34:25). كما بيّن بالمقابل الطريقَ المؤدِّيةَ إلى الهلاك، وهي طريقُ الذين لم يهتمّوا إلاّ بأنفسهم، فكان نصيبُهم "النارَ الأبديّةَ المعدَّةَ لإبليس وملائكته" (متّى 41:25). وأوضح أيضًا ذلك من خلال مثل الغنيّ الذي "كان يلبس الأرجوانَ والبَزَّ ويتنعَّم كلَّ يومٍ تنعُّمًا فاخرًا"، ولم يأبَهْ بلعازر المسكين الذي كان "مطروحًا عند بابه مضروبًا بالقروح، وكان يشتهي أن يشبعَ ممّا يسقط من مائدة الغنيّ" (لوقا 20:16-21). فلمّا مات لعازر حملته الملائكة إلى جوار إبراهيم. أمّا الغنيُّ فكان نصيبُه الهاويةَ حيث طلب من إبراهيم أن يرسل لعازر "ليبلَّ بالماء طرف إصبعه ويُبرِّدَ لسانًه لأنّه معذَّبٌ في هذا اللهيب" (لوقا 24:16).

إنّ لبنان منذ نشأته كان خيارُه الأساسيّ واضحًا: دولةٌ ديمقراطيّةٌ مستقلّةٌ تحترم جميع الأديان ولا تنحازُ ولا ترتهنُ لأيِّ دولةٍ أُخرى. وإذا بنا بعد مئة سنةٍ نرى وطنًا ممزَّقًا مشتَّتًا بين فئاتٍ متصارعةٍ منها القريب ومنها الغريب. ولا تفسيرَ لهذا الوضع إلاّ من خلال الطريق التي سلكها معظمُ المسؤولين عنه في السنوات الأخيرة. وفيهم صحَّ قول الربِّ يسوع: "واسعٌ البابُ ورحبةٌ الطريقُ المؤدِّيةُ إلى الهلاك". فمن جهةٍ فتحوا البابَ واسعًا للسرقات، فنهبوا خيراتِ الدولة، ولم يهتمّوا إلاّ بما يخدم مصالحَهم الأنانيّة، ولم يأبهوا للجائع والعطشان والمريض والمشرَّد والمسجون. ومن جهةٍ أخرى فتحوا الباب واسعًا لدولٍ أخرى لتتدخّلَ في شؤونهم. ممّا أفقدهم استقلاَلهم وسيادتَهم. ما أدّى بلبنان إلى الهلاك.

لبنان بحاجة إلى سلوك طريقٍ مختلفةٍ عن الطريق التي سلكها المسؤولون عنه إلى الآن. وهذه مسؤوليّة كلِّ لبنانيٍّ، فيعرف أن يُميِّزَ من بين المسؤولين عنه مَنْ يهتمُّ فقط بنفسه وبمصلحته، ومَنْ يهتمُّ بمصلحة الوطن وبمصالح المواطنين. فهل يتحقَّق ذلك في هذه الانتخابات؟

المصدر: "النهار"

المطران كيرلس بسترس

المصدر: "النهار"


إقرأ أيضاً

انعقاد الجمعية العامة لمجلس كنائس الشرق الأوسط من ١٦ حتى ٢٠ أيار مايو في مصر
كلمة البطريرك روفائيل بيدروس الحادي والعشرون في افتتاح الجمعيّة العامة لمجلس كنائس الشرق الأوسط