في مئوية مستشفى أوتيل ديو دو فرانس: لم نصمد 100 عام لنموت اليوم


On 06 May, 2022
Published By Tony Ghantous
في مئوية مستشفى أوتيل ديو دو فرانس: لم نصمد 100 عام لنموت اليوم

يحتفي #مستشفى أوتيل ديو دو فرانس في بيروت بمرور 100 عام على وضع حجر الأساس، بعد سنوات أخّرت فيها ظروف الحرب العالمية الأولى تحقيق حلم الآباء اليسوعيين بافتتاحه.

حفلت هذه الأعوام بنجاحات وإنجازات، وإنما أيضاً عرف خلالها حروباً وتحديات ومآسي مرّ بها العالم ولبنان بشكل خاص، من الحربين العالميتين إلى الحروب الداخلية المتعاقبة التي تهدّم فيها مرات عدة وأعيد بناؤه، وصولاً إلى انفجار مرفأ بيروت وال#أزمة الأخيرة والأصعب في تاريخه التي تعصف بالبلاد.

بالفعل طريق المستشفى لم تكن معبّدة بالورود، فيما لم يتخلّ يوماً عن شعاره "في خدمة الحياة"Au service de la vie... وتاريخه يشهد على ذلك. بعد المراحل الصعبة التي مرّ بها تمكّن فيها القيّمون عليه من النهوض مراراً والاستمرار بفضل شغف في العمل وأمل لا متناهٍ بوجود غدٍ أفضل وإرادة صلبة.  في حديث مع كل من رئيس مجلس إدارة المستشفى الأب سليم دكاش والمدير العام للمستشفى السيد نسيب نصر، أكدا صعوبة الأزمة الحالية التي تطال الجانب الاجتماعي إلى جانب كونها اقتصادية ومالية وطبية وسياسية. إنما في الوقت نفسه يؤكدان أن تاريخ المستشفى حافل بالتحديات التي تخطاها كلّها والأزمة الجديدة لن تتمكن حتماً من وقف أحلام وطموحات العائلة التي يضمها للاستمرار في #مئوية ثانية.

تاريخ حافل

عندما أتت الإرساليات اليسوعية إلى لبنان، أرادت الحفاظ على الفرنكوفونية في البلاد. وبعد تأسيس الجامعة اليسوعية، برزت الحاجة لتأسيس المستشفى الجامعي التابع لها، فأوكلت مهمة تأسيس مستشفى أوتيل ديو دو فرانس إلى الأب اليسوعي لوسيان كاتان على أرض كانت ولا تزال للحكومة الفرنسية. وضع حجر الأساس بعد عراقيل عدة، بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى ومع إعلان دولة لبنان الكبير وبداية الانتداب الفرنسي في عام 1922. وكان الجنرال غورو حاضراً حينها في الحفل إلى جانب حشد من الشخصيات الفرنسية واللبنانية، فيما أقيم حفل الافتتاح بعد عام وثلاثة أسابيع مع انتهاء عملية البناء بحضور الجنرال ويغان. في عام 1984 نقلت الحكومة الفرنسية إدارة المستشفى والجامعة اليسوعية إلى الرهبنة اليسوعية بإدارة حرة لمدة 50 سنة قابلة للتجديد. مع الإشارة إلى أن المستشفى ليس ممولاً من قبل الحكومة الفرنسية إنما ثمة دعم مستمر تحرص عليه والسفير الفرنسي عضو في مجلس الإدارة عبر التاريخ.

 

إصرار على الاستمرار رغم الصعوبات

 

"مرّ المستشفى بمراحل صعبة كثيرة تهدّم فيها وأعيد بناؤه وعرف حروباً متكررة، ولكل من هذه المراحل صعوبتها. فعندما أوقف العثمانيون ورشة البناء، كان الوضع صعباً، إنما يؤكد نصر أن الأزمة الحالية تعتبر من أكثرها قسوة.

فإلى جانب وقع الأزمة المالية والاقتصادية الحالية على المستشفى، تبدو هجرة الأطباء والممرضين غير المسبوقة تحدياً إضافياً تحسب له إدارة المستشفى ألف حساب. وقد تكون هجرة الممرضين الأكثر خطورة. فاستطاع قسم كبير من الأطباء في المستشفى التعاطي مع المرحلة الصعبة عبر العمل في الخارج وفي لبنان في الوقت نفسه. أما الممرضون، فحصل نقص مخيف فيهم بعد هجرة نسبة كبيرة منهم لعقود عمل في بلجيكا بشكل خاص.

وفق ما يوضحه الأب دكاش، فإن الأطباء في مستشفى أوتيل ديو دو فرانس يرتبطون بعقد حر يتقاضون فيه الأرباح من عملهم ولا يتقاضون أجوراً من المستشفى، بما يفسح لهم المجال للعمل في الخارج والاستمرار بعملهم في المستشفى ما خفف من معدلات هجرة الأطباء فيه. وقد لا ينطبق ذلك على مستشفيات جامعية أخرى لا تعتمد

هذا النظام، ما أدى إلى نقص هائل في الطاقم الطبي فيها.

من تحديات المرحلة أيضاً، الأموال المتراكمة على الجهات الضامنة والشح في الأدوية والمستلزمات الطبية. بشكل عام، يؤكد القيّمون على المستشفى أنهم استطاعوا تدارك الوضع والتعامل مع كل أزمة بإيجاد الحلول لها، فتأقلموا بشكل أو بآخر رغم الأزمة الخانقة التي لا ينكر أحد صعوبتها.

وضعت الأمور في مسار يتماشى مع الوضع الحالي لأن ثمة رغبة شديدة بعدم الاستسلام أياً كانت الظروف. ففي مواجهة هجرة الطاقم الطبي تمت الاستعانة بأشخاص جدد وتدريبهم دون تهاون في جودة الخدمات التي يقدمها المستشفى. كذلك تم التوصل إلى حلحلة في العلاقات مع الجهات الضامنة رغم الضغط المادي الكبير على المستشفى. كذلك، ثمة حرص على توفير الأدوية بين تلك المدعومة وغير المدعومة. إنما تبقى مشكلة المازوت كارثة حقيقية. فصحة المرضى وحياتهم مرتبطة بذلك، وثمة حاجة إلى توفير الكهرباء 24/24، فتذهب أموال طائلة سدى لتوفير المازوت. هذا ويعتمد المستشفى موازنات تقشفية إلى أقصى حد شرط عدم التأثير على جودة الخدمات. وقد تراجعت مداخيل المستشفى من 115 مليون في السنة إلى 11 مليوناً.

العمل الاجتماعي والخدمة الإنسانية أولوية

في ظل حرص المستشفى والقيمين عليه على الرعاية الاجتماعية والدور الإنساني للمؤسسة، وأمام الضغوط المتزايدة على المواطنين، وشعورهم بالالتزام تجاههم، تم العمل على دعم المرضى الذين يعانون من ظروف اجتماعية ومعيشية صعبة. علماً أن دعم العديد من الجمعيات في مرحلة سابقة، توقف بعد حرب أوكرانيا، ما زاد من الضغوط بغياب أي دعم من قبل الدولة.

تأسس صندوق اجتماعي للتضامن مع المرضى في المستشفى مموّل من مساعدات من مؤسسات كبرى وأفراد بإشراف مجلس الإدارة. "ثمة ضرورة ملحة لتظهر الخدمة العامة في نشاط المستشفى حفاظاً على صورته وهدفها الإنساني ودورها. فيتقدم المرضى بملفاتهم إلى قسم المساعدة الاجتماعية وتُدرس سريعاً حتى يتأمن الدعم لهم"، وفق ما يوضح الأب دكاش الذي يرأس هذا الصندوق ويساعد في توجيه المساعدات الاجتماعية بالشكل الصحيح، علمًاً أن حجم المساعدات من خلال الصندوق يصل إلى مليوني دولار في السنة. ومن المشاريع التي تم العمل عليها أيضاً إنشاء مركز رعاية صحية بالتعاون مع وزارة الصحة في المستشفى لطب العائلة والأطفال والتلقيح والفحوص المبدئية، بالتعاون مع Fondation Diane .

هذا ويوضح الأب دكاش أن مصاريف المستشفى الجامعي تتضاعف ثلاث مرات أكثر، خصوصاً بوجود 400 طالب، والخدمات التي تقدّم فيه وأعداد ممرضات موازٍ لعدد الأسرة، وهذه مسألة لا يمكن التهاون فيها ووجود المساعدين وكلّها تكاليف إضافية. علماً أن ثمة حالات تُنقل يومياً من مستشفيات أخرى لصعوبتها وفقدان الأمل منها، ما يزيد من الضغوط لصعوبتها. في المستشفى 2500 عائلة تعيش منه ولا بد من إعطائهم حقوقهم كاملة وإلا  يغادرون حكماً. "بسبب هذه الضغوط كلّها، وعلى الرغم من الحروب التي مرت على لبنان تبدو هذه الحرب الاقتصادية بتداعياتها المالية والاجتماعية والمعيشية أكثرها قسوة لمختلف المؤسسات في البلاد ومنها #القطاع الاستشفائي الذي تتوجه إليه أصابع الاتهام فيما يؤكد القيمون عليه على صعوبة الوضع وازدياد الضغوط".

 

نحو المستقبل

كأي مستشفى آخر، يقف أوتيل ديو دو فرانس في مواجهة العاصفة التي تضرب البلاد، ويؤكد نصر على تمسك شديد بما تم تحقيقه وبكافة العاملين فيه بالدرجة الأولى، إضافة إلى الحرص على الاستمرار والمقاومة أياً كانت الظروف. فتعالج كل أزمة أو مشكلة بالحلول المباشرة دون تأخير، بغياب الدولة. "لم ولن تتوقف أحلامنا ومشاريعنا المستقبلية ونحافظ في الوقت نفسه على جودة الخدمات التي نقدمها".

وبعد ما مر به المستشفى من تحديات وحروب كبرى داخلية وخارجية استطاع تخطيها في تاريخه، قد لا يكون صعباً عليه تخطي المزيد منها، كما يؤكد نصر، لتحقيق المزيد من النجاحات والإنجازات. حالياً، تبقى الأولوية للحفاظ على الموارد البشرية، لاعتبار أن هجرة العاملين في القطاع الطبي مصدر قلق أساسي، وهم من الأعمدة ومن ذوي الخبرة الذين لا يمكن التخلي عنهم. فتم وقف مشاريع التوسع في المستشفى لأنها مكلفة للتركيز على الموارد البشرية.

قد يمر الكل بلحظات من اليأس ولحظات من الحزن، لكن في كل مرة ثمة إصرار على التحلي بالأمل والنهوض مجدداً والمضي قدماً في ظل إيمان بالوطن وبولادة جديدة له كما حصل سابقاً.

 

 

المصدر: النهار

المصدر: "النهار"

إقرأ أيضاً

دراسة "ستزعج النساء": هذا تأثير إغلاقات كورونا على أوزاننا
لا تتجاهلها.. 9 علامات تحذيرية من السرطان