أغنية تُلقي سائق تاكسي سنتين في السجن... اللغة والثّقافة الكُرديتان محظورتان في تركيا دستورياً


On 04 December, 2021
Published By Tony Ghantous
أغنية تُلقي سائق تاكسي سنتين في السجن... اللغة والثّقافة الكُرديتان محظورتان في تركيا دستورياً

بعد تسع سنوات من المداولات القضائية، أقرّت المحكمة الدستورية العليا في تركيا الحكم بالسجن لمدة عامين على سائق الأجرة الكردي قدري بروان، لأنه كان يستمع لأغنية حماسية باللغة الكردية، أثناء قيادته حافلته العمومية، وهو أمر اعتبرته المحكمة الدستورية التركية لا يدخل في إطار "حرية التعبير"، بحسب مطالبة السائق، إنما دعاية لـ"منظمة إرهابية"، هي "حزب العمال الكردستاني"، الأمر الذي دفع نخباً سياسية وثقافية وفنية كردية في تركيا للتشكيك بكل ما يروّج له، كانفتاح على الثقافة واللغة الكرديتين في البلاد، معتبرين أن الدستور والبنية العميقة في الدولة لا تزال تحرّم اللغة والثقافة الكرديتين وتحظرهما.

تفاصيل الحادثة تعود إلى عام 2012، في مدينة ديار بكر، أكبر مدن جنوب شرقي تركيا حيث الغالبية السكانية هناك من الأكراد. فبينما كان قدري بروان يقود حافلته على خط داخل المدينة، ويستمع لأغنية "بجي" الكردية، والتي تعني "يحيا"، طلب ضابط شرطة كان موجوداً داخل الحافلة من السائق إيقاف الأغنية، ولما رفض، طلب عبر هاتفه تدخل الأجهزة الاستخبارية، التي وصلت سريعاً، وضبطت الحادثة وحولت السائق إلى القضاء، ووجهت إليه تهمة الدعاية لحزب العمال الكردستاني، وتالياً المساهمة في دعم حزب "إرهابي".  

الحادثة شكلت وقتئذ صدمة للرأي العام التركي، لأنها أتت في ذروة مشروع الانفتاح السياسي والثقافي مع أبناء الأقلية الكردية في تركيا، الذي كان يقوده ويروج له الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي فتح قناة فضائية ناطقة باللغة الكردية، تبث الأغاني والبرامج الترفيهية باللغة الكردية طوال ساعات اليوم. 

"دعاية للإرهاب"

الادعاء العام في محكمة الجنايات الخامسة في مدينة ديار بكر وجه للسائق تهمة "نشر دعاية لمنظمة إرهابية"، مستنداً إلى أن مضامين الأغنية الكردية وأسلوب عرضها إنما يستهدفان مدح قيادات عليا في "تنظيم إرهابي"، وعرضها في حافلة عمومية إنما يتقصد إقناع الركاب ودفعهم للاستماع وترديد تلك المضامين، بحسب رأي الادعاء العام.

حكمت المحكمة المحلية على السائق بالسجن لمدة عامين، ليتوجه إلى محكمة الاستئناف التي أيدت بدورها قرار المحكمة المحلية، ومنها توجه بروان إلى محكمة النقض ومنها إلى المحكمة الدستورية العليا، معتبراً الحكم عليه مساً بحرية التعبير، لكن المحكمة الأخيرة، بعد سنوات من النقاش والتداول، أيدت قرار المحكمة المحلية في مدينة ديار بكر، مذكرة في منشور من 73 بنداً، حصل "النهار العربي" على نسخة منه، بأن ما قام به السائق لا يدخل في إطار حرية التعبير، بل يستهدف في محصلته "اقتطاع جزء من الأراضي التركية لمصلحة كيان انفصالي". 

رواية قريب السائق

جانسوز بروان، أحد أقارب سائق الحافلة الكردي، شرح لـ"النهار العربي" ظروف الحادثة وتحيز مختلف المحاكم التركية ضد السائق، "لم تقبل المحكمة النظر في مسألة أن الضابط كان خارج عمله الوظيفي أثناء طلبه من قدري وقف الأغنية، وهو أمر لا يجوز بحسب القانون التركي، فالمسؤولون المباشرون على رأس عملهم فقط مخوّلون تطبيق القانون. كذلك لم تبال بكمّ الشتائم التي رفعها في وجه السائق، حيث حوّل المسألة منذ البداية إلى ما يشبه التحدي الشخصي. لكن الأهم هو إصراره على أن الأغنية كانت تسمع في كامل الحافلة وخارجها، وهذا غير صحيح أبداً، فالسائق كان يسمعها فردياً، ولم تثر شكوى أي من الركاب". 

ومن الجدير بالذكر أن الثقافة واللغة الكرديتين كانتا ممنوعتين تماماً من التداول في الحياة العامة في تركيا، وتصل عقوبة المتحدث بالكردية إلى السجن لسنوات. إلا أن الأعوام الأخيرة شهدت تخفيفاً نسبياً للقيود المفروضة على هذه اللغة، إذ صار يسمح بالنشر والحديث بها، لكن فقط في الأوساط الفردية والاجتماعية، لكن ليس في المؤسسات العامة والفضاء العام. 

الخلفيات القانونية

الحقوقي الكردي - التركي رسول صابار شرح في حديث مع "النهار العربي" الأساس القانوني الذي تعتمده القوانين والمحاكم التركية في مثل هذه القضايا: "في الجوهر، فإن البنية القانونية والتشريعية التركية مصممة على ممارسة القمع بحق أبناء الأقلية الكردية، فالمحكمة الدستورية وجدت أكثر من 60 بنداً قانونياً لإدانة الاستماع إلى أغنية. فوق ذلك، فإن النخبة القضائية والأمنية مجهزة أيديولوجياً وسياسياً لإحالة أي فعل يقوم به مواطن كردي لأن تعتبره استعارة لتأييد الإرهابي ومساندته، وبحسب هذين الأساسين، يتم إصدار مثل هذه الأحكام الجائرة". 

ويتابع الحقوقي الكردي: "لأجل ذلك بالضبط، فإن أي إصلاحات أو تغيير حقيقي بشأن الأكراد في تركيا، إنما يجب أن تثبت وتحدد في الوثائق التأسيسية في الدولة التركية، مثل الدستور والمجلس التعليمي وقانون العقوبات وغيرها من البنى الأساسية، وليس مجرد إجراءات سياسية شكلية، كلها عبارة عن غض نظر آني فحسب".

المصدر: النهار العربي

رستم محمود

المصدر: "النهار"

إقرأ أيضاً

ماكرون لـ"النهار العربي": لقائي مع الأمير محمد بن سلمان يشكل إعادة التزام السعودية في لبنان
السعودية وفرنسا: على لبنان القيام بإصلاحات شاملة