loader

أخبار الإقتصاد

"كونترول الأموال".. حارسة القوانين بوجه المصارف!


On 27 May, 2020
Published By Karim Haddad
"كونترول الأموال".. حارسة القوانين بوجه المصارف!

يرزح لبنان تحت ضغط المجتمع الدولي لإقرار إصلاحات تكفل تصويب الإنحراف الحاد الذي أصاب مسار النمو الاقتصادي منذ أعوام.. وفيما يفاوض صندوق النقد من أجل حزمة مالية حدّدها بنحو 10 مليارات دولار، يسير في الموازاة، نحو خرق القوانين والدستور وضرب الأصول والأعراف، أوجزها منطق "اللالزوم" الذي تنطبق عليه الحكمة القائلة "رايحين ع الحج والناس راجعة"!

تناقش الهيئة العامة لمجلس النواب غدا، من بين اقتراحات القوانين المطروحة، مشروعي قانون يتعلقان بـ"الكابيتال كونترول" و"إستعادة الأموال المنهوبة او المهربة"، واللذين استحوذا على جدل داخلي واسع، وخرجا الى النور بعد اتفاق بين رئيس المجلس نبيه بري ورئيس تكتل "لبنان القوي" النائب جبران باسيل... ولأن القانونين يأتيان متأخرين جدا على الأسباب الموجبة لهما، ثمة ملاحظات بسلسلة مخالفات فاضحة لا بد من عرضها نظرا لمخاطرها على طبيعة الاقتصاد وعلى القطاع المالي، ليبدو وكأن السلطة السياسية تحاول تمريرهما إن أفلتا من "خطة التعافي المالي".

"الكابيتال كونترول"

يأتي مشروع القانون المتعلق بـ"الكابيتال كونترول" بعد شبه انتظام للعلاقة ما بين المصارف والمودعين وفقا للواقع الذي فرض نفسه بسبب أزمة السيولة، ويعود هذا المشروع ليفجر العلاقة مجددا بين الطرفين، ويمنح العميل المصرفي حق اللجوء الى القضاء وإفلاس أي مصرف بناء على حكم قضائي في ملف لا يتعدى حجم طلب التحويل فيه سقف الـ50 الف دولار حدا أقصى (!).  وفي أبرز الملاحظات:

1- تفتقر المصارف الى سيولة تتلاءم وكافة متطلبات تكلفة المعيشة أو الاحتياجات العائلية الأخرى أو نفقات الأفراد في الخارج التي جرى توسيع مروحتها لتشمل تسديد نفقات المعيشة أو الطبابة او الاستشفاء او التعليم او الايجار، علما ان "عطف" الخدمات على بعضها لم يرفق في مشروع القانون بعبارة و/أو، بل اكتفى بخيار واحد وضعه امام طالب التحويل.

2- توسيع مروحة الخدمات المالية المراد تحويلها لتشمل "إيفاء قروض ناشئة قبل نفاذ هذا القانون، وتسديد ضرائب أو رسوم او إلزامات مالية ملحة متوجبة لسلطات أجنبيّة، وهذا ما لا يدخل ضمن "الحالات المستثناة" كونها غير استثنائية، بما يجعل هذا البند واضح. وشمل مشروع القانون "شراء مواد أو منتجات صناعيّة أو تجاريّة أو زراعيّة أو غذائيّة أو تكنولوجيّة أو طبية مثل أدوية ومستلزمات"، وهذا لا ينطبق عليه أيضا صفة "العجلة والالحاح"، بما يفترض استثناءه واخضاعه لاجراء آخر منفصل كليا.

3- تتدخل الحكومة (عبر الوزارات المعنية) في تحديد سقوف التحويلات والتحقق من الوثائق والمستندات المطلوبة للتحويل، وهذا يوحي بان الحكومة وخلافا لقانون الملكية الفردية وللدستور، تتدخل في العقد التعاقدي ما بين المصرف والعميل. كذلك، فان توسيع مروحة الخدمات المالية المطلوب ادراجها ضمن التحويلات، من شأنه توسيع مروحة تدخل الحكومة عبر الوزارات المعنية، وهذا يعني ان كل طلب تحويل للاستشفاء سيحال على الوزارة المختصة للتدقيق والبت بامره وتحديد السقوف المالية، علما انها لن تتعدى في افضل الأحوال حدود الـ50 الف دولار(!)، وهذا ما يعارض مناخ الاقتصاد الليبرالي الحرّ الذي يوقف الحكومة عند حدود الاشراف.

4- ينيط مشروع القانون بلجنة الرقابة على المصارف "صلاحيّة تلقي الشكاوى والمراجعات حول مخالفة المصارف لأحكام هذا القانون ومراسيمه التطبيقية، على أن تبتّها اللجنة بقرار خطي يصدر في مهلة 3 أيام من تاريخ ورودها معتمدةً الأصول الموجزة". وهذا بند يتعارض تماما مع طبيعة عمل لجنة الرقابة الذي يقتصر على الاشراف وليس البتّ بالخلافات، فهي لجنة رقابة وليست محكمة، وتاليا غير مخولة بالقانون، الفصل بين الدائن والمدين، بل تتابع وتشرف وتفرض على المصرف اخذ مؤونات. مهمة اللجنة إدارية وليس قانونية.

5- منح مشروع القانون العميل المصرفي حق اللجوء الى القضاء. لكن، ماذا سيكون الحكم ان فقد المصرف السيولة اللازمة؟ هل يمكن افلاس مصرف من طلب تحويل مالي لا يتعدى سقف الـ50 الف دولار؟

6- يبدو ان مشروع القانون كُتب على عجل بما انعكس على شفافية أهدافه وطبيعتها، مثل "وتكون سقوف المبالغ المحوّلة في سنة واحدة للغايات المنصوص عليها في الفقرة (أ)  من البند "2" بما لا يتجاوز مبلغ 50 الف دولار أو ما يعادلها بالعملات الأخرى سنوياً". وهذا ما يعطي انطباعا بان مشروع القانون ترك عمدا الباب مفتوحا امام الاجتهادات والاستنسابية، وهذا ما يستحيل تطبيقه في الصناعة المصرفية المحكومة بالمعايير العالمية والقوانين المحلية وتعاميم مصرف لبنان.

7- استثنى مشروع القانون "من أيّ قيود أو سقوف تتناول تحاويل العملاء (...) الأموال الجديدة التي وردت وترد نقداً أو من حسابات مصرفيّة خارج لبنان اعتباراً من تاريخ 2019/10/17..". وفي هذا البند مخالفة فاضحة، اذ يستحيل العمل بمنطق "المفعول الرجعي" للاموال، بل يستحسن ان تشمل الأموال الجديدة تجنبا لاثارة مشكلات إضافية من شأنها تعقيد الأوضاع اكثر. 

8- لم يرد ضمن "الأسباب الموجبة" أيا منها، بل عبارات واسعة وفضفاضة لا ترجمة عملية لها، مثل "وبما أنّ الظروف الماليّة والاقتصاديّة الاستثنائيّة التي يمرّ بها لبنان وضعت نظامه الاقتصادي في مواجهة الاستقرار النقدي والمالي، ما أدّى إلى تراجع الثقة الداخليّة والخارجيّة بالقطاع المصرفي اللبناني".. وهي عبارة غير علمية او موضوعية، ولم تُوفق في تشخيص المشكلة بشكل واقعي.

استعادة الأموال المهربة او المنهوبة

يخالف هذا المشروع كل الاحكام والمبادئ القانونية والاقتصادية شكلا ومضمونا. ففي الأولى، يتخذ صفة "معجل مكرر"، ويناقض في الثاني حرية التحويل المستهدفة فيها كل حركة الأموال وليس فقط "الأموال المشبوهة" او "أموال الفساد"، إضافة الى انه يصدر أحكاما مبرمة من دون التحقق من طبيعة الأموال ومصدرها. وفي أبرز الملاحظات:

1- من الخطأ المطلق وصف الأموال المحوّلة بـ"الهاربة" ضمنا وليس علنا، إلا إذا ثبت ذلك، وعبر تدقيق هيئة التحقيق الخاصة بمصدرها، ليمكن بذلك استعادتها. علما انه يجب التدقيق في مصدر الأموال، وهو الامر الأهم.

2- تمنع القوانين اللبنانية والدستور اللبناني وطبيعة الاقتصاد فرض قيود على حركة تحويل الأموال، وهذا يستحيل استثناءه بمشروع قانون يحمل صفة "المعجل المكرر"، لان ذلك يتطلب الغاء قوانين وتعديلات قانونية ودستورية. ويجب عدم إغفال انعكاسات أي قانون مماثل على طبيعة الاقتصاد الذي يتيح حرية الملكية الفردية وحرية تحويل الأموال...

3- يحدّد مشروع القانون تاريخ 17 تشرين الاول/أكتوبر 2019 فقط لاعادة تلك الأموال. ولكن، لماذا لم يشمل ما قبل ذاك التاريخ، وتحديدا منذ أوائل عام 2016، حين بدأ مصرف لبنان ينفذ الهندسات المالية بغرض جذب دولارات مقابل الأموال التي حوّلت؟ علما ان المفعول الرجعي لا يسري في أي قانون مماثل وفق التجارب التي شهدتها بعض دول العالم.

4- يجب الأخذ في الاعتبار ان "هروب" الأموال والرساميل من أي بلد يكون بسبب مناخ اللاستقرار السياسي او الأمني وحتى الاقتصادي. لذلك، يجب ان تدرك السلطات اللبنانية ان عملية تحويل الأموال الى الخارج، تسارعت فعليا بعد اهتزاز الوضع السياسي والأمني عقب أحداث قبر شمون في حزيران/يونيو 2019. 

5- في الواقع، فان المصارف بدأت تنغمس اكثر فاكثر في عمليات التحويل لتلك الأموال منذ مطلع 2019.

6- قد يكون هناك مجالا للتحقق من الأموال المحولة خلال الأسبوعين التي أقفلت فيها المصارف أبوابها بعد ثورة 17 تشرين الاول 2019. وقد يكون المقصود بها حسابات المصرفيين الكبار وحسابات المساهمين من خارج الميزانية التي تمّ تحويلها الى سويسرا وغيرها، وتخضع لمبدأ العقود الائتمانية وتاليا لا يستطيع أحد استردادها.

7- يمكن التحقق من طبيعة الأموال المحوّلة بعد ذلك التاريخ (17 تشرين 2019)، وهي بمعظمها عمليات "طبيعية" تمامًا ولا علاقة لها بـ"الأموال المنهوبة".

8- لا يحق للسلطات اللبنانية استعادة "كل" الأموال المحوّلة بعد 17 تشرين 2019، لايداعها في صندوق استرداد الودائع بغية دفعها للمودعين، وليس لصاحب المال. فكيف يمكن للسلطات ان تبرّر "مصادرة" تلك الأموال إن كانت "نظيفة"؟

9- حصر مشروع القانون "الهدف" من عملية استرداد الأموال، بـ"جميع مساهمي المصارف والمساهمين بما لا يقلّ عن 5% من رساميل المصارف، ومحامي المصارف ومديريها التنفيذيين، وجميع الذين يقومون بخدمة عامة"، وهذا يحتاج الى تدقيق اكثر لان الشمولية هنا تفتح بابا واسعا للاستنساب والاجتهاد.

10- لا يمكن وصف تحويل الأموال بانه مخالف للقانون، بل ربما يجوز وصفه بـ"غير التضامني" مع واقع البلد، ورغم ذلك لا مفاعيل قانونية ولا تداعيات يمكن تحميلها لاصحاب هذا المال. فنظرية المؤامرة لا تنطبق هنا على: المودع الذي حوّل أمواله الى الخارج من اجل تكاليف معيشة الاسرة، والمستثمر الذي يضطر لتحويل أموال لاكمال مشاريع عمل او تسديد مستحقات والتزامات. علما ان القانون لا يمنع تحويل الأموال ولا يشترط على صاحبها تحديد الوجهة او الحجم او السبب.

هل يمرّ مشروعا القانونين من دون أن يرف جفن السلطة التشريعية، "حارسة القوانين"، وراعية تطبيقها؟ وهل يجرؤ مجلس النواب على تغيير طبيعة عمل المصارف اللبنانية التي أدت في السابق دورا مهما في نهضة الاقتصاد الوطني وفي تعزيز موقع لبنان الخدماتي المالي؟ 

يأمل اللبنانيون ان يبادر مجلس النواب الى عقد اتفاق رضائي Gentle Agreement  يستهدف تأمين سيرورة العمل مع اهم قطاع في الاقتصاد في ورشة النهوض، فتكون المصارف حلقة الوصل الطبيعية في أي عمليات تحويل مالي او استثماري او سياحي او ادخاري. اذ يستحيل على أي دولة تفعيل نموها ونهضتها الاقتصادية من دون قطاع مصرفي ناجح ومتين ومدعوم بثقة دولته ومجتمعه. ومن شأن ترميم العلاقة مع المصارف ان يعيد الثقة بالمناخ الاستثماري في لبنان، إن بادرت الدولة مجتمعة، الى احتضان القطاع المصرفي وتطويعه في خدمة الاقتصاد والمواطن، والا فان سبحة قوانين المعاقبة ستدخل لبنان في مرحلة تنفيذ "خطة التعافي" المدمرة.

المصدر: "Arab Economic News فيوليت غزال البلعة"


Voyages Galleon

إقرأ أيضاً

السفر جوّاً لن يعود إلى طبيعته حتى عام 2023!
رياض سلامة: لبنان ليس مفلسا! طالما يريدني الناس سأستمر في خدمة مصالح بلدنا