Thursday, 12 February 2026

جاري التحميل...

جاري التحميل...

عاجل
عودة: نأمل أن تعمل الحكومة كفريق واحد متضامن وتلتفت إلى قضايا الناس وأوجاعهم

عودة: نأمل أن تعمل الحكومة كفريق واحد متضامن وتلتفت إلى قضايا الناس وأوجاعهم

February 16, 2025

المصدر:

وكالة الأنباء المركزية

ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها المطران الياس عودة خدمة القداس الإلهي في كاتدرائية القديس جاورجيوس.

بعد قراءة الإنجيل ألقى عظة قال فيها: "يروي لنا الرب في إنجيل اليوم، من خلال مثل الإبن الشاطر، قصة سقوط الإنسان يوم اختار الإنفصال عن الآب السماوي، فتاه في ضجيج الدنيا ومغرياتها، حتى بدد ميراثه الروحي، أي الكرامة الإنسانية التي ميزه الله بها. لقد فصل الإبن المحبوب إرادته، التي لم تكن قد نضجت بعد كما نرى في المثل، عن إرادة أبيه، طالبا نصيبه مما ظن أنه حق مكتسب، ورحل. ترك دفء البيت الأبوي وأمانه واستغنى عن الحكمة الأبوية، عاملا بإيحاء الحية كما فعلت حواء قديما، ظانا أنه قادر أن يصبح «كالله عارفا الخير والشر» (تك ٣: ٥).  في رسالة اليوم، يعطينا الرسول بولس تعليما عمليا عن الحرية كما أرادها الله للإنسان وخصه بها. يقول: «كل شيء مباح لي، ولكن ليس كل شيء يوافق. كل شيء مباح لي، ولكن لا يتسلط علي شيء» (١كو ٦: ١٢)."

أضاف: "منذ التكوين، وضع الله «البركة واللعنة» بين يدي آدم، أي أعطى الإنسان ملء الحرية منذ خلقه. نتيجة للحرية، صارت كل الأشياء ممكنة، حتى الإبتعاد عن الله ووصاياه. لكن هل هذا يوافق؟ الإبن الشاطر مثال الإنسان الذي يستغني بحريته وإرادته عن حكمة الله وتعاليمه، فينتهي به الأمر تحت سلطة الإهتمامات الدنيوية، حتى الإذلال.  الرسول بولس لا يحذر من أمور محرمة، بل من الأمور المباحة، كي لا نظن أننا ننجو بمجرد تجنبنا المحرمات. نراه يخاطب فينا حس الحكمة والتمييز من أجل الإعتدال في الحياة. طبعا، يحق لنا السعي نحو الأفضل في كل تفاصيل حياتنا، شرط ألا نقع في الإفراط والجشع. تخلى الإبن الشاطر عن حكمة البيت الأبوي ظانا أنها ما عادت تكفيه، وخرج إلى ما ظن أنه اتساع لآفاق حياته، تماما كالناس الذين يظنون، أو يقنعون أنفسهم أو الآخرين بأن الوصايا الإلهية لا تتناسب ومتطلبات الحياة الحاضرة، أو كالإنسان الذي، متى قرأ ما يقوله الرسول بولس هنا، يكتفي بعبارة «كل شيء مباح». يعلمنا الرسول أن من أراد استخدام هذا الحق، عليه أن يحفظ حدود الإعتدال بيقظة الحكمة والتمييز، وإلا سقط في الإفراط الذي سيتسلط عليه ويقوده إلى الهلاك".

وتابع: "يستعمل الرسول بولس «الأطعمة والجوف» أي البطن ليشير رمزيا إلى الشراهة بمعناها الواسع. تبقى أمور الدنيا كلها، كالطعام، موافقة، متى مورست باعتدال، وتصبح، في حال الإفراط، ضارة. لذا، يقول في موضع آخر: «الذين إلههم بطنهم» (في ٣: ١٩)، أي الذين، بسبب شرههم لأمور الدنيا صاروا عبيدا لها. يقول الرسول: «أما الجسد فليس للزنى بل للرب، والرب للجسد»، ولا يقصد المعنى الحصري الضيق للزنى، بل الشهوات الأرضية عموما، وهذه كلها سيبيدها الرب. يكرر الرسول أهمية الإعتدال بقوله: «إن كان لنا قوت وكسوة فلنكتف بهما» (١تي ٦: ٨). طبعا، لا يلغي أحقية الإنسان في السعي، في يوميات حياته، نحو الأفضل، لكنه يشدد على خطورة الإنزلاق نحو الإفراط والشراهة، وهما الباب الأوسع لكل إثم ورذيلة. ميز الرسول بين البطن والجسد، والبطن أحد أعضاء الجسد، كي لا نفهم أن الطبيعة البشرية أصل الشراهة. هو لا يدين طبيعة الجسد، بل سيطرة الشهوات على الإنسان. فكيف يمكننا أن نجعل هذا الجسد الذي هو إناء للروح القدس كما قال لنا الرسول، والمشترى بالدم الثمين، أسيرا للشراهة وعبدا للأهواء؟"

وقال: "بعد التحذير من الإفراط وإدانة الشراهة ينقلنا الرسول إلى وعد الخلاص، تماما كما في مشهد عودة الإبن الشاطر إلى الحضن الأبوي. رأس جسدنا هو المسيح ونحن أعضاء جسده، والجسد سيتبع حتما قيامة الرأس إن تمسكنا بإرشاداته في كل تفاصيل حياتنا. أما إن فقدنا حس الإعتدال واستسلمنا للإفراط نكون كالإبن الشاطر في غربته، معدمين، أذلاء، نشتهي علف الخنازير ولا نطاله، حتى لو امتلكنا كنوز الأرض. يعود الرسول إلى رمزية الزنى قائلا: «من اقترن بزانية يصير معها جسدا واحدا» لأن الشراهة كالزنى، تعطي متعة وقتية خداعة لا تدوم. من يقع في شرك الإفراط في الشهوات تخدعه، إذ يظن أنها توفر له السعادة، لكنها في الحقيقة تسود عليه حتى الإستعباد. يتابع: «أما الذي يقترن بالرب فيكون معه روحا واحدا». الخياران وعاقبتاهما أمامنا، والرسول يعبر عنهما بوضوح، مؤكدا لنا، عبر قوة المقابلة بين الخيارين، أنه لا يهدف إلى إلغاء الإرادة الحرة، بل إلى تنقيتها من الإنحراف".

أضاف: "كما عاد الإبن الضال إلى أحضان أبيه بعد أن شطر نفسه عن البيت الأبوي، أملنا أن يعود جميع اللبنانيين إلى كنف وطنهم بعد أن عاد الأمل بانتخاب رئيس للجمهورية وتأليف حكومة نتمنى لها النجاح والإنجاز. إنه وقت العمل والتحديات كبيرة لأن تطلعات اللبنانيين واسعة. هم يطمحون إلى العيش في بلد قد رممت أوصاله وعادت إليه الحياة، بلد يجمع أبناءه تحت راية العدالة والمساواة، القانون فيه سيد وهيبة الدولة رادع، فلا يجرؤ فيه أحد على استباحة كرامات الناس أو أموالهم وممتلكاتهم، ولا تسول لأحد نفسه أن يقتل أو يسرق أو يهين رجل أمن، أو يخالف القوانين، وأولها قانون السير. اللبنانيون يحلمون بدولة لا امتيازات فيها لأحد بل مساواة بين المواطنين، واحترام للكفاءة، وعدالة في التوظيف. اللبنانيون يحلمون بالعيش في بلد آمن، مستقر، لا حرب تهددهم ولا عدو يتوعدهم. يحلمون بإصلاح إقتصادي ومالي وسياسي وإداري، وباجتثاث الفساد وتفعيل أجهزة الرقابة، وباسترجاع أموالهم، وبقضاء حر مستقل يحقق العدالة في كل القضايا العالقة، وعلى رأسها تفجير المرفأ. نأمل أن تعمل الحكومة كفريق واحد متضامن، وأن تلتفت إلى قضايا الناس وأوجاعهم، وتعالج كل ما يمس حياتهم، مقللة من الشعارات ومكثرة من العمل والإنتاج، لأنه ضاع وقت طويل وحان وقت الجهاد. لقد اتخذت الحكومة شعار الإصلاح والإنقاذ. أملنا أن يبدأ الإصلاح، والله يرى والمواطنون يرون، وعندها يستحق كل عضو فيها، عوض اللقب الذي لا يصنع رجالا، محبة الناس وثقتهم وتقديرهم واحترامهم، وهذا هو الوسام الأرفع".

وختم: "دعوتنا اليوم أن نبدأ بحزم أمتعتنا للإنطلاق في رحلة الصوم الكبير المقدس، فنتخلى عما لا ينفعنا، ونحتفظ بما يغني النفس والروح ونستثمره ليكون نافعا لنا ولجميع من هم حولنا، حتى نصل جميعا إلى فرح القيامة المجيدة".

 

Posted byKarim Haddad✍️

 المطران الياس عوده: الوقت لم يفت لكي يعي الجميع أخطاءهم
February 8, 2026

المطران الياس عوده: الوقت لم يفت لكي يعي الجميع أخطاءهم

ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس. وبعد الإنجيل ألقى عظة قال فيها: "يضعنا الإنجيل المقدس اليوم أمام أحد أعمق الأمثال التي أعطاها الرب يسوع وأغناها بالمعاني الروحية، هو مثل الإبن الشاطر أو الضال، الذي هو في الحقيقة إنجيل كامل للتوبة، وصورة حية لعلاقة الله بالإنسان الساقط، كما يكشف لنا في الوقت عينه عمق حرية الإنسان وخطورة إساءة استعمالها. هذا المثل لا يروي قصة تاريخية، بل يشرح مسيرة كل نفس بشرية تخرج من بيت الآب، ثم تعي خطأها وتدعى للعودة إليه. حين طلب الإبن الأصغر، وفي هذا إشارة إلى فتوته وعدم وعيه الكامل، نصيبه من الميراث، لم يكن يطلب مالا فقط، بل كان يطلب استقلالا عن أبيه، وحياة بلا مرجعية. هكذا تفهم الكنيسة الخطيئة في جوهرها. فهي ليست مجرد مخالفة لوصية، بل رفض للشركة مع الله، ومحاولة للعيش بمعزل عن نعمته. يقول القديس أثناسيوس الكبير إن الإنسان حين يبتعد عن الله لا يصير أكثر حرية، بل يعود إلى العدم الذي أخذ منه".

أضاف: "خرج الإبن إلى كورة بعيدة حيث بدد كل ما أعطي له. لم يخسر المال فقط بل خسر صورته كإبن. فحين انفصل عن أبيه، انفصل عن ذاته الحقيقية. هذا ما يعلنه الرسول بولس بوضوح في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس، حين يحذر من خداع الحرية الزائفة قائلا: «كل شيء مباح لي، ولكن ليس كل شيء يوافق. كل شيء مباح لي لكن لا يتسلط على شيء». فالحرية، في المفهوم المسيحي، ليست أن أفعل ما أشاء، بل أن أكون عبدا لله وحده، لأن من يخدم الشهوات يصير عبدا لها وإن ظن نفسه حرا، ومن يستعبد لله تكون له الحرية الحقيقية. حين حدثت المجاعة في البلد الذي قصده الإبن الأصغر، لم تكن مجاعة خبز فقط، بل كانت مجاعة إلى محبة وكرامة ومعنى للحياة. فالخطيئة تجرد الإنسان من إنسانيته، وتجعله يعيش دون الكرامة التي خلق من أجلها. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم إن الشبع الكاذب الذي تعد به الخطيئة ينتهي دائما بجوع أشد، لأن النفس لا تشبع إلا بالله".

وتابع: "نصل إلى لحظة حاسمة في المثل عندما يشتهي الإبن أن يملأ بطنه من الخرنوب الذي كانت تأكله الخنازير فلم يعطه أحد، «فرجع إلى نفسه». هذه العبارة تختصر كل تعليم الكنيسة عن التوبة. فالتوبة ليست مجرد شعور بالذنب، ولا خوفا من العقاب، بل يقظة داخلية، رجوع إلى النفس وعودة العقل والقلب إلى نور الحق. إنها ما يسميه الآباء «تغيير الذهن»، أي تحول النظرة إلى الله والذات والعالم. يقول القديس إسحق السرياني إن التوبة هي عطية من الله قبل أن تكون جهدا من الإنسان، لأن الله هو الذي يوقظ القلب ويدعوه إلى الرجوع. عندما رجع الإبن إلى أبيه لم يبرر خطاياه، ولم يلق باللوم على الظروف، بل اعترف قائلا: «أخطأت إلى السماء وأمامك». هذا الإعتراف الصادق هو الأساس الذي تبنى عليه حياة التوبة في الكنيسة. فالإعتراف الذي يظنه البعض إذلالا للإنسان، هو تحرير له. إنه الوقوف في نور الله، بلا أقنعة ولا أعذار، لأن الخطيئة المخفية تبقى حية، أما المعترف بها فتموت، لأن النور يقتل الظلمة كما يعلم القديس باسيليوس الكبير. هنا تلتقي رسالة اليوم مع المثل الإنجيلي، إذ يذكرنا الرسول بولس بأن الجسد ليس للزنى بل للرب، وأنه هيكل للروح القدس. فالخطيئة، بحسب فكر الكنيسة، ليست شأنا خاصا أو تصرفا فرديا بلا نتائج، بل هي اعتداء على قدسية الإنسان، وتشويه لصورة الله فيه. من هنا أهمية سر الإعتراف، حيث تشفى النفس ويقدس الجسد ويستعيد الإنسان الصورة التي خلق عليها، والشركة المكسورة مع الله. عندما عاد الإبن، لم يقف الأب بعيدا ينتظر تبريرات أو وعودا، بل ركض إليه واحتضنه وأعاده إبنا قبل أن يسمعه عبدا. هذه المبادرة الإلهية تكشف لنا قلب الله الآب الذي يسبق توبتنا برحمته. يقول القديس كيرلس الأورشليمي إن الله لا يقيس توبتنا بماضي خطايانا بل بصدق عودتنا".

وقال: "الحلة الأولى والخاتم والحذاء التي ألبسها لابنه، ليست رموزا شكلية، بل علامات استعادة الكرامة المفقودة. فالإعتراف لا يترك الإنسان في موقع الذنب، بل يرفعه إلى فرح البنوة. الوليمة التي أقامها الأب تشير إلى الفرح السماوي والشركة الإفخارستية التي تعطى للإنسان المتصالح مع نفسه ومع الله. المثل لا يتجاهل خطرا آخر، هو خطر الحسد الذي تجلى في الإبن الأكبر، الذي بقي في البيت جسديا، لكن قلبه كان بعيدا. خطيئة هذا الأخ هي الكبرياء، أم كل الشرور، التي تحرم الإنسان من الفرح بعطايا الله وتقدير النعم التي يغدقها عليه. تعلمنا الكنيسة أن نتذكر دائما أننا أناس خطأة، كما أكد بولس الرسول في رسالته إلى أهل رومية: «الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله» (3: 23) وأن نصرخ باستمرار مع كاتب المزامير «إني عارف بإثمي وخطيئتي أمامي في كل حين» (50: 3)، مجاهدين في عيش الفضائل والإبتعاد عن الرذائل، واعين خطايانا وهفواتنا، لكي ننمو في حياة التوبة. فتبرير الذات والحسد والكبرياء ورفض توبة الآخرين وإدانتهم، كلها تعوق دخولنا الفرح الإلهي. هنا، تذكرنا الكنيسة بأن التوبة ليست فقط للخطأة الظاهرين، بل لكل إنسان يظن نفسه بارا.

أضاف: "مثل الإبن الشاطر هو كشف لطبيعة العلاقة بين الله والبشر. فالإبنان يرمزان إلى البشر المنقسمين على بعضهم، وإلى تعاطيهم مع الله الممثل بالأب الحنون. لذا تدعونا الكنيسة في هذا الأحد إلى الإقتداء بالإبن الشاطر في رحلة عودته إلى الآب، وتوبته عن خطاياه، تدعونا إلى تغيير نمط حياتنا وسلوكنا، لأن التوبة ليست كلاما يعبر عن الندم بل هي تحول جذري في النظرة إلى العالم، عودة إلى النفس، وانعتاق من الشهوات والأهواء، وتنقية للقلب من الكبرياء والحقد والحسد والدينونة. أساس سر التوبة هو إدراكنا الواعي لخطايانا وعودتنا بلهفة إلى المسيح المتحنن، المنتظر قدومنا بفرح ليلبسنا الحلة والخاتم والحذاء، ويعيدنا إلى الحياة.  كم نحن بحاجة أيضا إلى هذه العودة إلى أحضان الوطن الذي أساء إليه البعض بسلب خيراته، والبعض الآخر بإدعاء الدفاع عنه فأوصله إلى الخراب، والبعض هجره أو طالب بحصته منه وبذرها، والجميع لم يعلنوا التوبة بعد، ولم يقوموا بخطوة كي يصلحوا ما أفسدوه. لكن الوقت لم يفت لكي يعي الجميع أخطاءهم ويعلنوا توبتهم ويعيدوا إلى الوطن وحدته، ويحافظوا معا على سيادته، ويبرزوا معا دوره، ويعملوا معا على إعادته إلى دوره الريادي الفاعل".

 

الراعي: أي تقدم حقيقي لا يتحقق إلا من خلال الاهتمام بالضعيف
February 8, 2026

الراعي: أي تقدم حقيقي لا يتحقق إلا من خلال الاهتمام بالضعيف

ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس الأحد في كنيسة السيدة في الصرح البطريركي في بكركي، عاونه فيه المطرانان حنا علوان وانطوان عوكر، أمين سر البطريرك الأب كميليو مخايل، أمين سر البطريركية الأب فادي تابت، ومشاركة عدد من المطارنة والكهنة والراهبات، في حضور عائلة المرحوم الشاب انطونيوس نصار برئاسة قنصل جمهورية موريتانيا إيلي نصار وقنصل لبنان العام في لوس انجلوس شربل نصار،عائلة المرحومة بيارات فارس فهد برئاسة الرئيس السابق لمجلس القضاء الأعلى القاضي جان فهد، رئيس المجلس الاغترابي في بلجيكا ورئيس جامعة آل كرم في لبنان وبلاد الانتشار المهندس مارون كرم، رئيس مؤسسة البطريرك صفير الإجتماعية الدكتور الياس صفير، وفد من الكشاف الماروني،نجل الشهيدين صبحي ونديمة الفخري باتريك، وحشد من الفاعليات والمؤمنين. 

وألقى الراعي عظة بعنوان: "عندهم موسى والأنبياء فليسمعوا لهم" (لو 29:16)، قال فيها: " تذكر الكنيسة اليوم في هذا الأحد والأسبوع الطالع الموتى المؤمنين. وتصلّي لراحة نفوسهم وتعزية عائلاتهم، ومن أجل الأحياء ليصغوا إلى كلام الله في مسيرة الدنيا. "فموسى والأنبياء" هم اليوم "الكنيسة" التي تعلن وتعلّم الكتب المقدسة في عهديها القديم والجديد. نقف اليوم أمام مثل الغني ولعازر، لنقرأ في ضوئه حياتنا وعلاقاتنا، ونستشعر عمق العدالة الإلهية والرحمة التي تحكم الكون. يؤكّد لنا الرب يسوع في هذا المثل أن الغنى ليس بذاته ذنبًا، وأن الفقر ليس سببًا للخلاص، بل إن المسألة تتعلق بالروح، بالنية، وبكيفية استخدام ما وهبنا الله من عطايا.

الغني الذي عاش في ترف ولم يمد يد الرحمة للعازر الذي كان عند باب دارته، يُظهر لنا أن هلاكه لا يكون بسبب ما يملكه، بل بسبب تعلقه بما وهبه الله له دون أن يحوّله إلى فعل محبة ورحمة. ولعازر الذي صبر واستسلم لإرادة الله، يُعلّمنا أن التسليم والثقة بقدرة الله على التغيير والعدل هما طريق الخلاص. إن هذا المثل ليس مجرد سرد للأحداث، بل دعوة مستمرة لكل واحد منا ليفتح قلبه، ليغذّي روحه، ويعيد النظر في أولوياته وأعماله.  يسعدني أن أرحّب بكم جميعًا لنحتفل معًا بهذه الليتورجيا الإلهية لراحة نفوس موتانا. وأوجّه تحية خاصة إلى عائلة المرحومة بيارات فارس فهد التي ودّعناها مع شقيقيها وشقيقتها وعائلتها وسائر انسبائهم وأهالي عشقوت العزيزة في 15 كانون الأول الماضي. كما أرحّب بعائلة المرحوم الشاب أنطونيو نصّار، مع والده قنصل موريتانيا إيلي ناصر نصّار ووالدته السيدة ندى، ومع شقيقه شربل قنصل لبنان العام في لوس أنجلوس وشقيقته وجدته لأمه، وقد ودّعناه معهم في 25 كانون الثاني المنصرم. نذكرهما مع موتانا ونعزّي أسرتيهما. إنجيل الغني ولعازر ليس قصة عن المال والفقر فحسب، بل هو إنجيل المسؤولية، والرحمة، والعدالة الإلهية، والإصغاء إلى كلمة الله قبل فوات الأوان. هذا الإنجيل هو مرآة نرى فيها ذواتنا، أفرادًا وجماعات، كنيسةً ووطنًا.  الغني لم يهلك لأنه غنيّ. فالغنى في الكتاب المقدس عطية وبركة من الله. لكنه هلك لأنه فضّل العطية على المُعطي، وتعلّق بما في يده ونسي الله الذي أعطاه كل شيء. هلاكه كان بسبب سوء استعمال النعمة، وليس بسبب امتلاكها. أمّا لعازر، فلم يخلص لأنه فقير. بل لأنه عاش فقره بصبر وصمت. لم نسمع في الإنجيل أنه ثار، أو شتم، أو انتقم. قبِل وضعه، وترك دينونته لله. فكان خلاصه ثمرة إيمان صامت، وصبر عميق، وثقة لم تنكسر".

وتابع الراعي: "هذا المثل يشير إلى أن العدالة الإلهية ليست مجرد عقاب أو مكافأة، بل هي كشف للحقيقة، وفرصة للتوبة، لتغيير المسلك الشخصي قبل فوات الأوان. الإصغاء إلى كلام الله هو مفتاح الحياة الصحيحة، وهو ما يجعلنا ندرك قيمة حياتنا، وطريقة تعاملنا مع نعم الله وعطاياه، وكيفية عيشنا المسؤولية تجاه الآخرين. فثمّة مبدآن أساسيان في تعليم الكنيسة الاجتماعي: الأول: "خيرات الأرض مُعدّة من الله لجميع الناس". الثاني: "لا أحد يملك شيئًا بالمطلق. فالملكية الخاصة مطبوعة برهن اجتماعي". هذا المثل يحمل بعدًا وطنيًا عميقًا، يمكننا تطبيقه على واقع وطننا، وفي كل مجتمع، هناك "غني" و "فقير"، ليس بالضرورة مادياً فحسب، بل فقر في الفرص والمعرفة والقدرة على المبادرة والعطاء. إن مسؤولية كل فرد تمتد لتشمل من هم حوله، فالوعي الوطني الحقيقي يظهر حين يُدرك القادر أن القوة والموارد لا تُستغل للذات فقط، بل للخير العام. لبنان، كما كثير من المجتمعات، يحتاج إلى إرادة جماعية توجه الطاقات والقدرات نحو العدالة الاجتماعية، وتضع الرحمة والشفقة معيارًا للقرارات السياسية والاجتماعية. يعلمنا الإنجيل أن من لا يمد يده إلى الآخر، أو يغفل عن الحاجة، يختار الانغلاق بدل الخدمة، وهذا يضع المجتمع في مأزق، بينما من يوجه قدراته وإمكاناته لخدمة الجميع يبني وطنًا متماسكًا ومستنيرًا".

 

واردف: "المسؤولية الوطنية هي رحمة وعمل، هي نظرة شاملة للأخوة والمساواة، وإيمان بأن أي تقدم حقيقي لا يتحقق إلا من خلال الاهتمام بالضعيف، وبالإنصاف، وبالمبادرة البناءة التي ترفع المجتمع. إن هذه الرؤية الوطنية ليست مجرد نصيحة أخلاقية، بل واجب روحي: أن نكون مرآة لتعاليم المسيح في حياتنا اليومية، وأن تتحول القوة والقدرة إلى خدمة عادلة، والوعي إلى فعل مؤثر، والرحمة إلى معيار لكل قرار واتجاه. فالوطن ليس مجرد أرض، بل هو شعب يحتاج إلى محبة وعدل وإخلاص، وهذا ما يطبّق مثال الغني ولعازر في حياتنا الوطنية، حيث نرفع الإنسان، ونقدّر الكرامة، ونؤسس مجتمعًا يعكس قيم الإنجيل ويجعل من العدالة والرحمة قاعدة مستدامة في كل نواحي الحياة".
 

وختم الراعي: " نرفع الصلاة إلى الله من أجل من رحلوا من بيننا الى بيت الآب، طالبين أن يمنحهم الراحة الأبدية، ويملأ قلوب الأحياء بالحكمة والقوة ليعيشوا حياتهم بالعدل والمحبة. نتضرع للرب أن يبارك وطننا لبنان، وأن يمد قلوب المسؤولين والمواطنين برؤية واضحة، وبحسّ عالٍ بالمسؤولية تجاه الآخرين، ويغمرنا جميعًا بالرحمة والمواساة، وأن يجعل أعمالنا انعكاسًا حيًا لتعاليم الإنجيل ومثال الغني ولعازر في حياتنا اليومية. فنرفع له المجد والشكر الآن وإلى الأبد، آمين".