Thursday, 12 February 2026

جاري التحميل...

جاري التحميل...

عاجل
العبسي من لندن: وجودكم هنا ليس مجرد اغتراب انه رسالة

العبسي من لندن: وجودكم هنا ليس مجرد اغتراب انه رسالة

June 9, 2025

المصدر:

وكالة الأنباء المركزية

اختتم بطريرك أنطاكية وسائر المشرق للروم الملكيين الكاثوليك زيارته الى العاصمة البريطانية لندن بترؤوسه الليتورجيا الالهية في كنيسة القديس  يوحنا الذهبي الفم بمشاركة  الرعية وحشد من ابناء الجالية اللبنانية في بريطانيا. عاونه في القداس خادم الرعية  الارشمندريت شفيق ابو زيد.ورئيس الديوان البطريركي الاب رامي واكيم ولفيف من كهنة الرعايا.

وبعد الانجيل المقدس القى العبسي كلمة قال فيها: "فرحي كبير بأن أكون اليوم في ما بينكم. استقبالكم الحارّ البنويّ ومشاركتكم النابعة من القلب في هذه الليترجيّا الإلهيّة هما مصدر تعزية وقوّة لي أنا شخصيًّا ولكنيستنا عامّة. بالرغم من أنّنا بعيدون عن أرض آبائنا جغرافيًّا إلّا أنّنا متّحدون بالروح القدس الواحد، في الإيمان الواحد وحول المذبح الواحد. أشكركم على التزامكم وعلى إيمانكم وعلى شهادتكم الإنجيليّة هنا في لندن. أنتم حضور كنيستنا الحيّ في هذه المدينة وإيمانكم يعطي حياةً وتشجيعًا لجسد المسيح بأكمله. 

في هذا اليوم، نحتفل بواحد من أهمّ أعيادنا الكنسيّة، نحتفل بعيد العنصرة، عيد حلول الروح القدس على الرسل وعيد تجلّي الكنيسة في العالم. في هذا اليوم، نصل إلى تمام وعد السيّد المسيح لنا الذي قال: "سوف تنالون قوّة بحلول الروح القدس عليكم وسوف تكونون لي شهودًا". هذا الوعد لم يكن للرسل وحدهم، هذا الوعد يمتدّ إلى جميع الأجيال، إلى جميع المؤمنين، ويمتدّ بالطبع إلى كلّ واحد منّا نحن المجتمعين اليوم. 

إنّ الروح القدس، حبّ الله المسكوب في قلوبنا، ليس قوّة غير شخصيّة، إنّه الله نفسه، الربّ المانح الحياة، كما نعلن في قانون إيماننا. إنّه الروح الذي خيّم ورفرف فوق المياه عند الخليقة، إنّه الروح الذي نطق بالأنبياء، إنّه الروح القدس الذي ظلّل العذراء مريم، إنّه الروح القدس الذي أقام السيّد المسيح من بين الأموات. إنّ هذا الروح عينه هو الذي ينفخ الحياة في الكنيسة اليوم مرشدًا إيّاها إلى الحقيقة ومقدّسًا أعضاءها. 

إنّ آباء الكنيسة يصفون حلول الروح القدس أو العنصرة وكأنّها الوجه الثاني لبابل. في بابل قاد التكبّر البشريّ الناس إلى الانقسام والفوضى، لكن في العنصرة فإنّ تواضع الرسل المجتمعين في الصلاة مع والدة الإله أنزل عليهم نار الوحدة. لم تلغَ لغات الأمم لكنّها تحوّلت. بقي التنوع لكنّه لم يعد من بعد مصدر خلاف أو خصومة بل صار غنًى. هذا هو سرّ الكنيسة: جسد واحد وأعضاء كثر. إيمان واحد معبّر عنه بعدّة لغات وحضارات. وروح واحد يحيي ويحرّك الكلّ. 

يدعونا هذا العيد، عيد العنصرة، إلى أن نكتشف حقيقة طبيعة الكنيسة. ليست الكنيسة مبنيّة بجهد بشريّ فقط. ليست مجرّد مؤسّسة أو تراث ثقافي. إنّها جسد يسوع المسيح يحييه الروح القدس. من دون الروح القدس تصير الكنيسة بنيانًا من دون حياة. مع الروح القدس، تصير الكنيسة حضور السيّد المسيح في العالم. الأسرار، الكتاب المقدّس، المجامع، القدّيسون، كلّهم ثمرة عمل الروح القدس في التاريخ. 

في حياة كلّ مسيحيّ يعمل الروح القدس عملَ الله الحاضر فيها: يعلّم يعزّي يؤدّب ويقدّس. إنّه الروح الذي يؤهّلنا للصلاة والذي يعطينا الكلمات عندما لا نعرف كيف نتكلّم. إنّه ختم المعموديّة، نار الميرون، إنّه النور الداخلي الذي يجعلنا نصرخ من أعماق قلوبنا أبّا أيّها الآب. 
لا يُعطى لنا الروح القدس كهديّة شخصيّة إنّما يعطى لنا ليضمّنا كلّنا معًا إلى شركة الكنيسة. هديّته الأولى هي الوحدة. حيث الروح القدس لا مكان لليأس أو للانقسام أو للامبالاة. حضور الروح فيما بيننا يدعونا إلى المصالحة والتواضع والخدمة المتبادلة. هو يفتح قلوبنا لنحبّ بعضنا بعضًا ليس فقط بالكلمات إنّما بالعمل والحقّ.

إنّ هذه الرسالة مهمّة بالنسبة إلينا نحن الروم الملكيّين الكاثوليك العائشين في الاغتراب. أنتم بعيدون عن الشرق الأوسط إلّا أنّكم تبقون أبناء أنطاكية تحملون معكم كنوز ليترجيّتنا ولاهوتنا وتقليدنا الروحيّ. وجودكم هنا ليس مجرّد اغتراب بل رسالة. لقد قادكم الروح القدس إلى هذه الأرض ليس فقط لتستمرّوا في الحياة إنّما أيضًا لتكونوا شهودًا، لتكونوا خميرة، ملحًا ونورًا. لا تدعوا إرثكم الكنسيّ يتحوّل إلى ذكرى. إجعلوه قوّة حيّة في عائلاتكم وفي رعيّتكم وفي حياتكم اليوميّة. 

في هذا العامّ 2025، ينقضي 1700 سنة على المجمع الذي انعقد عام 325 في مدينة نيقيا، في تركيا الحاليّة. إنّها ذكرى خاصّة مميّزة للمجمع المسكوني الأوّل الذي فيه أعلنت الكنيسة، بهدي الروح القدس، الإيمان الواحد الذي لا يزال يوحدّنا إلى اليوم، الإيمان بربّ واحد يسوع المسيح، إله حقّ من إله حقّ، كما نعلن في قانون إيماننا اليوم. هذا التذكار الذي ندعوه في القاموس الكنسي يوبيلًا، ليس فقط للتذكّر إنّما للدعوة إلى العمل. إنّه فرصة لتجديد صلواتنا وجهودنا من أجل وحدة الكنيسة. نسأل الله أن يعطينا الشجاعة والتواضع والحكمة لكي نحثّ الخطى في السير نحو الوحدة. ليست الوحدة مشروعًا بشريًّا وحسب بل إنّها دعوة إلهيّة والذي يجعلها ممكنة هو الروح القدس".

أضاف العبسي: "في خضمّ الهموم التي تشغلنا في العالم وفي الكنيسة لا ينبغي أن نفقد شعلة الرجاء. البابا فرنسيس في سنواته الأخيرة أعلن 2025 سنة يوبيل الرجاء داعيًا الكنيسة جمعاء إلى تجديد ثقتها بمواعيد الله. ونحن كملكيّين شاركنا في هذا الاحتفال من خلال حجّ قمنا به إلى روما حيث احتفلنا بالليترجيّا الإلهيّة في بازيليك القدّيس بطرس، في قلب الشركة الكاثوليكيّة. كان ذلك علامة لوحدتنا ولثقتنا بأنّ الروح القدس، بإزاء الصعوبات والشرذمة، لا يزال يقود الكنيسة. الرجاء ليس ثمرة اليقين، على العكس إنّه القوّة التي تنهض في وسط عدم اليقين. لا نرجوا لأنّ كلّ شيء واضح، بل نرجو لأنّنا نؤمن بالواحد الأحد الذي هو صادق وأمين. يعلّمنا الروح أن ننتظر وأن نثق وأن نبقى صامدين ولو كان الطريق مغلقًا أمامنا. هذا الرجاء ليس وهمًا إنّه مرساة الروح الراسخة والأمينة. 

إلّا أنّنا لا يسعنا أن ننسى مع ذلك الآلام الكثيرة التي تتحمّلها كنيستنا في بلادنا: الحرب، عدم الاستقرار، الهجرة، الفقر، كلّ هذه لا تزال تضرب المؤمنين في سوريا ولبنان والعراق والأرض المقدّسة. إلّا أن الروح القدس يبقى حاضرًا وهو الذي يقوّي البقيّة الباقية ويساعد إكليرسنا وشعبنا المؤمن على المثابرة، وهو يذكّرنا بأنّ الله لا يهمل شعبه. علينا أن نبقى متّحدين في الصلاة والتضامن مع إخوتنا وأخواتنا الذين في الشرق. إنّ شهادتهم ثمينة وإيمانهم بطوليّ وإنّ مثابرتهم علامة على أنّ الروح القدس يعمل حتّى ولو في ظلّ الصليب. 
أيّها المحبوبون،

تقوم الحياة المسيحيّة على الشركة مع الروح القدس. وكما يعلّم القديس باسيليوس الكبير، نحن بالروح نُعاد إلى الفردوس، ونُرفع إلى الملكوت، ونُصبح أبناءً لله. كلّ ما في الكنيسة، صلواتنا، أسرارنا، تقاليدنا، هي كلّها لتقودنا إلى هذه العلاقة الحيّة مع الروح. فهو الذي يُصوّر المسيح فينا، ويُنير عقولنا، ويُطهّر قلوبنا. الروح لا يُعطى فقط للتعزية، بل للتحوّل. به نتحوّل تدريجيًا إلى صورة الابن، ونصير شركاء في الطبيعة الإلهيّة. هذا هو سرّ التألّه، الغاية القصوى من وجودنا يعني لا أن نؤمن بالله فحسب، بل أن نتّحد به حقًّا، في المحبّة والحياة. وهذا ليس فكرة مجرّدة، بل حقيقة ملموسة تبدأ الآن بالنعمة، وتكتمل بالمجد".

وختم: "فلنطلب اليوم، بثقة وتواضع، أن يأتي الروح القدس من جديد إلى قلوبنا وبيوتنا وكنيستنا، ليُجدّد وجه الأرض، وقبل كلّ شيء، ليُجدّدنا نحن. فلنَكُفّ عن إطفاء الروح، ولا نُحزنه بخطايانا. فلنسلك بالروح، لكي نحيا في الروح.

أودّ أن أعبّر عن تقديري ومحبّتي للأب الأرشمندريت شفيق أبو زيد، خادم هذه الرعيّة، الذي يخدمها بتفانٍ وغيرة وإخلاص والذي يجمعها ويوحّدها حول السيّد المسيح وحده جاعلًا منها جماعة متضامنة متحابّة متعاونة شاهدة للإنجيل في محيطها. أشكر كذلك جميع الذين أسهموا في التحضير لزيارتي ولهذه الليترجيا التي نحتفل بها معطين من وقتهم وتعبهم بسخاء ومحبّة. أشكر أيضًا رئيس أساقفة وستمنستر للكنيسة الكاثوليكية اللاتينيّة، الكاردينال فنسنت نيكولز، على عنايته واهتمامه برعيّتنا وجماعتنا الملكيّة. أشكر كلّ بنوع خاصّ كلّ واحد منكم على اهتمامه ومشاركته في هذه الليترجيّا. 

ومعكم جميعًا، نشكر الله تعالى على هذا اللقاء الروحيّ ونشكره بنوع خاصّ على انتخاب قداسة البابا الجديد، لاون الرابع عشر، مصلّين بصوت واحد وقلب واحد من أجل أن تؤتي خدمته ثمارًا روحيّة للكنيسة وللعالم أجمع ومسلّمين حبريّته إلى شفاعة والدة الإله، الرفيقة الصامتة والأمينة ليوم العنصرة. حيث أمّنا العذار حاضرة، يحلّ الروح؛ وحيث ترفع صلاتها، تصير الكنيسة مثمرة. معها، فلننتظر ولنستقبل الروح القدس ممجّدين الله الآب وابنه وروحه القدّوس، الآن وكلّ أوان وإلى دهر الداهرين، آمين.

 

Posted byKarim Haddad✍️

 المطران الياس عوده: الوقت لم يفت لكي يعي الجميع أخطاءهم
February 8, 2026

المطران الياس عوده: الوقت لم يفت لكي يعي الجميع أخطاءهم

ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس. وبعد الإنجيل ألقى عظة قال فيها: "يضعنا الإنجيل المقدس اليوم أمام أحد أعمق الأمثال التي أعطاها الرب يسوع وأغناها بالمعاني الروحية، هو مثل الإبن الشاطر أو الضال، الذي هو في الحقيقة إنجيل كامل للتوبة، وصورة حية لعلاقة الله بالإنسان الساقط، كما يكشف لنا في الوقت عينه عمق حرية الإنسان وخطورة إساءة استعمالها. هذا المثل لا يروي قصة تاريخية، بل يشرح مسيرة كل نفس بشرية تخرج من بيت الآب، ثم تعي خطأها وتدعى للعودة إليه. حين طلب الإبن الأصغر، وفي هذا إشارة إلى فتوته وعدم وعيه الكامل، نصيبه من الميراث، لم يكن يطلب مالا فقط، بل كان يطلب استقلالا عن أبيه، وحياة بلا مرجعية. هكذا تفهم الكنيسة الخطيئة في جوهرها. فهي ليست مجرد مخالفة لوصية، بل رفض للشركة مع الله، ومحاولة للعيش بمعزل عن نعمته. يقول القديس أثناسيوس الكبير إن الإنسان حين يبتعد عن الله لا يصير أكثر حرية، بل يعود إلى العدم الذي أخذ منه".

أضاف: "خرج الإبن إلى كورة بعيدة حيث بدد كل ما أعطي له. لم يخسر المال فقط بل خسر صورته كإبن. فحين انفصل عن أبيه، انفصل عن ذاته الحقيقية. هذا ما يعلنه الرسول بولس بوضوح في رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس، حين يحذر من خداع الحرية الزائفة قائلا: «كل شيء مباح لي، ولكن ليس كل شيء يوافق. كل شيء مباح لي لكن لا يتسلط على شيء». فالحرية، في المفهوم المسيحي، ليست أن أفعل ما أشاء، بل أن أكون عبدا لله وحده، لأن من يخدم الشهوات يصير عبدا لها وإن ظن نفسه حرا، ومن يستعبد لله تكون له الحرية الحقيقية. حين حدثت المجاعة في البلد الذي قصده الإبن الأصغر، لم تكن مجاعة خبز فقط، بل كانت مجاعة إلى محبة وكرامة ومعنى للحياة. فالخطيئة تجرد الإنسان من إنسانيته، وتجعله يعيش دون الكرامة التي خلق من أجلها. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم إن الشبع الكاذب الذي تعد به الخطيئة ينتهي دائما بجوع أشد، لأن النفس لا تشبع إلا بالله".

وتابع: "نصل إلى لحظة حاسمة في المثل عندما يشتهي الإبن أن يملأ بطنه من الخرنوب الذي كانت تأكله الخنازير فلم يعطه أحد، «فرجع إلى نفسه». هذه العبارة تختصر كل تعليم الكنيسة عن التوبة. فالتوبة ليست مجرد شعور بالذنب، ولا خوفا من العقاب، بل يقظة داخلية، رجوع إلى النفس وعودة العقل والقلب إلى نور الحق. إنها ما يسميه الآباء «تغيير الذهن»، أي تحول النظرة إلى الله والذات والعالم. يقول القديس إسحق السرياني إن التوبة هي عطية من الله قبل أن تكون جهدا من الإنسان، لأن الله هو الذي يوقظ القلب ويدعوه إلى الرجوع. عندما رجع الإبن إلى أبيه لم يبرر خطاياه، ولم يلق باللوم على الظروف، بل اعترف قائلا: «أخطأت إلى السماء وأمامك». هذا الإعتراف الصادق هو الأساس الذي تبنى عليه حياة التوبة في الكنيسة. فالإعتراف الذي يظنه البعض إذلالا للإنسان، هو تحرير له. إنه الوقوف في نور الله، بلا أقنعة ولا أعذار، لأن الخطيئة المخفية تبقى حية، أما المعترف بها فتموت، لأن النور يقتل الظلمة كما يعلم القديس باسيليوس الكبير. هنا تلتقي رسالة اليوم مع المثل الإنجيلي، إذ يذكرنا الرسول بولس بأن الجسد ليس للزنى بل للرب، وأنه هيكل للروح القدس. فالخطيئة، بحسب فكر الكنيسة، ليست شأنا خاصا أو تصرفا فرديا بلا نتائج، بل هي اعتداء على قدسية الإنسان، وتشويه لصورة الله فيه. من هنا أهمية سر الإعتراف، حيث تشفى النفس ويقدس الجسد ويستعيد الإنسان الصورة التي خلق عليها، والشركة المكسورة مع الله. عندما عاد الإبن، لم يقف الأب بعيدا ينتظر تبريرات أو وعودا، بل ركض إليه واحتضنه وأعاده إبنا قبل أن يسمعه عبدا. هذه المبادرة الإلهية تكشف لنا قلب الله الآب الذي يسبق توبتنا برحمته. يقول القديس كيرلس الأورشليمي إن الله لا يقيس توبتنا بماضي خطايانا بل بصدق عودتنا".

وقال: "الحلة الأولى والخاتم والحذاء التي ألبسها لابنه، ليست رموزا شكلية، بل علامات استعادة الكرامة المفقودة. فالإعتراف لا يترك الإنسان في موقع الذنب، بل يرفعه إلى فرح البنوة. الوليمة التي أقامها الأب تشير إلى الفرح السماوي والشركة الإفخارستية التي تعطى للإنسان المتصالح مع نفسه ومع الله. المثل لا يتجاهل خطرا آخر، هو خطر الحسد الذي تجلى في الإبن الأكبر، الذي بقي في البيت جسديا، لكن قلبه كان بعيدا. خطيئة هذا الأخ هي الكبرياء، أم كل الشرور، التي تحرم الإنسان من الفرح بعطايا الله وتقدير النعم التي يغدقها عليه. تعلمنا الكنيسة أن نتذكر دائما أننا أناس خطأة، كما أكد بولس الرسول في رسالته إلى أهل رومية: «الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله» (3: 23) وأن نصرخ باستمرار مع كاتب المزامير «إني عارف بإثمي وخطيئتي أمامي في كل حين» (50: 3)، مجاهدين في عيش الفضائل والإبتعاد عن الرذائل، واعين خطايانا وهفواتنا، لكي ننمو في حياة التوبة. فتبرير الذات والحسد والكبرياء ورفض توبة الآخرين وإدانتهم، كلها تعوق دخولنا الفرح الإلهي. هنا، تذكرنا الكنيسة بأن التوبة ليست فقط للخطأة الظاهرين، بل لكل إنسان يظن نفسه بارا.

أضاف: "مثل الإبن الشاطر هو كشف لطبيعة العلاقة بين الله والبشر. فالإبنان يرمزان إلى البشر المنقسمين على بعضهم، وإلى تعاطيهم مع الله الممثل بالأب الحنون. لذا تدعونا الكنيسة في هذا الأحد إلى الإقتداء بالإبن الشاطر في رحلة عودته إلى الآب، وتوبته عن خطاياه، تدعونا إلى تغيير نمط حياتنا وسلوكنا، لأن التوبة ليست كلاما يعبر عن الندم بل هي تحول جذري في النظرة إلى العالم، عودة إلى النفس، وانعتاق من الشهوات والأهواء، وتنقية للقلب من الكبرياء والحقد والحسد والدينونة. أساس سر التوبة هو إدراكنا الواعي لخطايانا وعودتنا بلهفة إلى المسيح المتحنن، المنتظر قدومنا بفرح ليلبسنا الحلة والخاتم والحذاء، ويعيدنا إلى الحياة.  كم نحن بحاجة أيضا إلى هذه العودة إلى أحضان الوطن الذي أساء إليه البعض بسلب خيراته، والبعض الآخر بإدعاء الدفاع عنه فأوصله إلى الخراب، والبعض هجره أو طالب بحصته منه وبذرها، والجميع لم يعلنوا التوبة بعد، ولم يقوموا بخطوة كي يصلحوا ما أفسدوه. لكن الوقت لم يفت لكي يعي الجميع أخطاءهم ويعلنوا توبتهم ويعيدوا إلى الوطن وحدته، ويحافظوا معا على سيادته، ويبرزوا معا دوره، ويعملوا معا على إعادته إلى دوره الريادي الفاعل".

 

الراعي: أي تقدم حقيقي لا يتحقق إلا من خلال الاهتمام بالضعيف
February 8, 2026

الراعي: أي تقدم حقيقي لا يتحقق إلا من خلال الاهتمام بالضعيف

ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس الأحد في كنيسة السيدة في الصرح البطريركي في بكركي، عاونه فيه المطرانان حنا علوان وانطوان عوكر، أمين سر البطريرك الأب كميليو مخايل، أمين سر البطريركية الأب فادي تابت، ومشاركة عدد من المطارنة والكهنة والراهبات، في حضور عائلة المرحوم الشاب انطونيوس نصار برئاسة قنصل جمهورية موريتانيا إيلي نصار وقنصل لبنان العام في لوس انجلوس شربل نصار،عائلة المرحومة بيارات فارس فهد برئاسة الرئيس السابق لمجلس القضاء الأعلى القاضي جان فهد، رئيس المجلس الاغترابي في بلجيكا ورئيس جامعة آل كرم في لبنان وبلاد الانتشار المهندس مارون كرم، رئيس مؤسسة البطريرك صفير الإجتماعية الدكتور الياس صفير، وفد من الكشاف الماروني،نجل الشهيدين صبحي ونديمة الفخري باتريك، وحشد من الفاعليات والمؤمنين. 

وألقى الراعي عظة بعنوان: "عندهم موسى والأنبياء فليسمعوا لهم" (لو 29:16)، قال فيها: " تذكر الكنيسة اليوم في هذا الأحد والأسبوع الطالع الموتى المؤمنين. وتصلّي لراحة نفوسهم وتعزية عائلاتهم، ومن أجل الأحياء ليصغوا إلى كلام الله في مسيرة الدنيا. "فموسى والأنبياء" هم اليوم "الكنيسة" التي تعلن وتعلّم الكتب المقدسة في عهديها القديم والجديد. نقف اليوم أمام مثل الغني ولعازر، لنقرأ في ضوئه حياتنا وعلاقاتنا، ونستشعر عمق العدالة الإلهية والرحمة التي تحكم الكون. يؤكّد لنا الرب يسوع في هذا المثل أن الغنى ليس بذاته ذنبًا، وأن الفقر ليس سببًا للخلاص، بل إن المسألة تتعلق بالروح، بالنية، وبكيفية استخدام ما وهبنا الله من عطايا.

الغني الذي عاش في ترف ولم يمد يد الرحمة للعازر الذي كان عند باب دارته، يُظهر لنا أن هلاكه لا يكون بسبب ما يملكه، بل بسبب تعلقه بما وهبه الله له دون أن يحوّله إلى فعل محبة ورحمة. ولعازر الذي صبر واستسلم لإرادة الله، يُعلّمنا أن التسليم والثقة بقدرة الله على التغيير والعدل هما طريق الخلاص. إن هذا المثل ليس مجرد سرد للأحداث، بل دعوة مستمرة لكل واحد منا ليفتح قلبه، ليغذّي روحه، ويعيد النظر في أولوياته وأعماله.  يسعدني أن أرحّب بكم جميعًا لنحتفل معًا بهذه الليتورجيا الإلهية لراحة نفوس موتانا. وأوجّه تحية خاصة إلى عائلة المرحومة بيارات فارس فهد التي ودّعناها مع شقيقيها وشقيقتها وعائلتها وسائر انسبائهم وأهالي عشقوت العزيزة في 15 كانون الأول الماضي. كما أرحّب بعائلة المرحوم الشاب أنطونيو نصّار، مع والده قنصل موريتانيا إيلي ناصر نصّار ووالدته السيدة ندى، ومع شقيقه شربل قنصل لبنان العام في لوس أنجلوس وشقيقته وجدته لأمه، وقد ودّعناه معهم في 25 كانون الثاني المنصرم. نذكرهما مع موتانا ونعزّي أسرتيهما. إنجيل الغني ولعازر ليس قصة عن المال والفقر فحسب، بل هو إنجيل المسؤولية، والرحمة، والعدالة الإلهية، والإصغاء إلى كلمة الله قبل فوات الأوان. هذا الإنجيل هو مرآة نرى فيها ذواتنا، أفرادًا وجماعات، كنيسةً ووطنًا.  الغني لم يهلك لأنه غنيّ. فالغنى في الكتاب المقدس عطية وبركة من الله. لكنه هلك لأنه فضّل العطية على المُعطي، وتعلّق بما في يده ونسي الله الذي أعطاه كل شيء. هلاكه كان بسبب سوء استعمال النعمة، وليس بسبب امتلاكها. أمّا لعازر، فلم يخلص لأنه فقير. بل لأنه عاش فقره بصبر وصمت. لم نسمع في الإنجيل أنه ثار، أو شتم، أو انتقم. قبِل وضعه، وترك دينونته لله. فكان خلاصه ثمرة إيمان صامت، وصبر عميق، وثقة لم تنكسر".

وتابع الراعي: "هذا المثل يشير إلى أن العدالة الإلهية ليست مجرد عقاب أو مكافأة، بل هي كشف للحقيقة، وفرصة للتوبة، لتغيير المسلك الشخصي قبل فوات الأوان. الإصغاء إلى كلام الله هو مفتاح الحياة الصحيحة، وهو ما يجعلنا ندرك قيمة حياتنا، وطريقة تعاملنا مع نعم الله وعطاياه، وكيفية عيشنا المسؤولية تجاه الآخرين. فثمّة مبدآن أساسيان في تعليم الكنيسة الاجتماعي: الأول: "خيرات الأرض مُعدّة من الله لجميع الناس". الثاني: "لا أحد يملك شيئًا بالمطلق. فالملكية الخاصة مطبوعة برهن اجتماعي". هذا المثل يحمل بعدًا وطنيًا عميقًا، يمكننا تطبيقه على واقع وطننا، وفي كل مجتمع، هناك "غني" و "فقير"، ليس بالضرورة مادياً فحسب، بل فقر في الفرص والمعرفة والقدرة على المبادرة والعطاء. إن مسؤولية كل فرد تمتد لتشمل من هم حوله، فالوعي الوطني الحقيقي يظهر حين يُدرك القادر أن القوة والموارد لا تُستغل للذات فقط، بل للخير العام. لبنان، كما كثير من المجتمعات، يحتاج إلى إرادة جماعية توجه الطاقات والقدرات نحو العدالة الاجتماعية، وتضع الرحمة والشفقة معيارًا للقرارات السياسية والاجتماعية. يعلمنا الإنجيل أن من لا يمد يده إلى الآخر، أو يغفل عن الحاجة، يختار الانغلاق بدل الخدمة، وهذا يضع المجتمع في مأزق، بينما من يوجه قدراته وإمكاناته لخدمة الجميع يبني وطنًا متماسكًا ومستنيرًا".

 

واردف: "المسؤولية الوطنية هي رحمة وعمل، هي نظرة شاملة للأخوة والمساواة، وإيمان بأن أي تقدم حقيقي لا يتحقق إلا من خلال الاهتمام بالضعيف، وبالإنصاف، وبالمبادرة البناءة التي ترفع المجتمع. إن هذه الرؤية الوطنية ليست مجرد نصيحة أخلاقية، بل واجب روحي: أن نكون مرآة لتعاليم المسيح في حياتنا اليومية، وأن تتحول القوة والقدرة إلى خدمة عادلة، والوعي إلى فعل مؤثر، والرحمة إلى معيار لكل قرار واتجاه. فالوطن ليس مجرد أرض، بل هو شعب يحتاج إلى محبة وعدل وإخلاص، وهذا ما يطبّق مثال الغني ولعازر في حياتنا الوطنية، حيث نرفع الإنسان، ونقدّر الكرامة، ونؤسس مجتمعًا يعكس قيم الإنجيل ويجعل من العدالة والرحمة قاعدة مستدامة في كل نواحي الحياة".
 

وختم الراعي: " نرفع الصلاة إلى الله من أجل من رحلوا من بيننا الى بيت الآب، طالبين أن يمنحهم الراحة الأبدية، ويملأ قلوب الأحياء بالحكمة والقوة ليعيشوا حياتهم بالعدل والمحبة. نتضرع للرب أن يبارك وطننا لبنان، وأن يمد قلوب المسؤولين والمواطنين برؤية واضحة، وبحسّ عالٍ بالمسؤولية تجاه الآخرين، ويغمرنا جميعًا بالرحمة والمواساة، وأن يجعل أعمالنا انعكاسًا حيًا لتعاليم الإنجيل ومثال الغني ولعازر في حياتنا اليومية. فنرفع له المجد والشكر الآن وإلى الأبد، آمين".