Wednesday, 1 April 2026

جاري التحميل...

جاري التحميل...

عاجل
الراعي في عظة عيد البشارة: لا ننافس أحدًا في السلطة لكننا ملتزمون الدفاع عن الإنسان وكرامته

الراعي في عظة عيد البشارة: لا ننافس أحدًا في السلطة لكننا ملتزمون الدفاع عن الإنسان وكرامته

March 25, 2026

المصدر:

الوكالة الانباء المركزية

ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس عيد البشارة في كنيسة السيدة في الصرح البطريركي في بكركي، عاونه فيه المطرانان حنا علوان والياس نصار، أمين سر البطريرك الأب كميليو مخايل، أمين سر البطريركية العام الأب فادي تابت، ومشاركة السفير البابوي المونسينيور باولو بورجيا، ومطارنة الطائفة والرؤساء العامين والرئيسات العامات، أمين عام الرابطة المارونية المحامي بول يوسف كنعان، وحشد من المؤمنين. 

بعد الإنجيل المقدس القى البطريرك الراعي عظة بعنوان: "لقد نلتِ نعمة عند الله" (لو 1: 30)، قال فيها: "يسعدني أن أحتفل معكم بالسنة الخامسة عشرة لخدمتي البطريركية، بمؤازرتكم ومؤازرة سينودس أساقفتنا المقدّس، مقدّمين هذه الليتورجيا الإلهية، صلاة شكر لله أولًا على نعمة الأسقفية المشتركة، ثم على نعمة الخدمة البطريركية. فقد نلناها عند رسامتنا الأسقفية، وعند اختياري من الروح القدس وأعضاء سينودس أساقفتنا أبًا ورأسًا لكنيستنا. أجل إننا، في تدبير الله الخلاصي نلنا على مثال أمّنا مريم العذراء "نعمة عند الله" (لو 1: 30). فإني أحيّي معكم إخواننا السادة المطارنة أعضاء السينودس المقدّس المتواجدين في النطاق البطريركي، وفي بلدان الانتشار. وأوجّه تحية خاصّة إلى إخواننا المطارنة الذين يعانون من أوضاع صحية صعبة. فإنّا معهم جميعًا في رباط الشركة الكنسية والأخوّة. في عيد بشارة العذراء مريم، وهو عيد وطني في لبنان، يطيب لي أن أوجّه تحية محبة خاصة إلى جميع اللبنانيين، مسيحيين ومسلمين، في هذا اليوم المبارك. فلبنان يتميز بين دول العالم بأن عيد البشارة هو عيد كنسي ووطني في آن. إنه عيد يجمع اللبنانيين حول مريم العذراء، المرأة التي قالت نعم لله، فصار الخلاص ممكنًا للبشرية كلها. نرجو أن يبقى عيد البشارة علامة رجاء ووحدة في وطننا، وأن يبقى لبنان أرض اللقاء والحوار والعيش المشترك، وأرض السلام والاستقرار. لكننا نحتفل بالعيد، وقلوبنا تعتصر ألمًا لضحايا الحرب البغيضة والمرفوضة من الشعب والدولة بين حزب الله وإسرائيل. فنذكر بصلاتنا الضحايا والجرحى والشعب المهجَّر التارك وراءه بيوته المهدَّمة، ونصلّي من أجل سلامة الصامدين في بيوتهم، المطالبين بالعيش بسلام وطمأنينة".

وتابع: "لقد نلتِ نعمة عند الله" (لو 1: 30). النعمة في اللاهوت المسيحي هي عطية ومبادرة إلهية مجانية. الله هو الذي يختار ويمنح ويدعو. ومريم لم تُختَر لأنها عظيمة في نظر العالم، بل لأنها كانت متواضعة القلب، نقية الإيمان، ومنفتحة بالكلّية على إرادة الله. ولهذا يخاطبها الملاك قائلاً: "السلام عليكِ يا ممتلئة نعمة". مريم هي المرأة التي امتلأت بنعمة الله، فصار قلبها قادرًا أن يستقبل كلمة الله.  لكن النعمة لا تلغي حرية الإنسان. فالله يدعو، والإنسان يجيب. وهنا تأتي اللحظة الحاسمة إذ مريم تجيب: "ها أنا أمة الرب، فليكن لي بحسب قولك" (لو 1: 38). بهذه الكلمة قالت مريم نعم لله. وهذه الـ"نعم" ليست مجرد موافقة عابرة، بل هي تسليم كامل للحياة لمشيئة الله. إنها لحظة إيمان عميق وثقة كاملة بالله. من هنا بدأ سر التجسد. فبقبول مريم هذه النعمة، دخل الله تاريخ البشر. فلا بدَّ لنا، في ضوء مثال مريم، أن نجري فحص ضمير على ضوء كلمة الملاك لمريم: "لقد نلتِ نعمةً عند الله" (لو 1: 30). فمن بين نعم الله، الموزَّعة على أساس اختيار مجاني من الله، نعمة الأسقفية، ونعمة البطريركية. نحن كأساقفة، وأنا كبطريرك، عند رسامتنا، قلنا نحن أيضًا نعم لله. قلنا نعم للخدمة، نعم للمسؤولية، نعم لقيادة شعب الله. لكن هنا يأتي السؤال الصعب الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا كفحص ضمير: هل نحن على قدر هذه النعمة التي نلناها؟ هل ما زلنا نعيش بحسب النعمة التي أعطاها الله لنا؟ مريم نالت النعمة وقالت نعم، وبقيت أمينة لهذه النعمة طوال حياتها. أما نحن، فالله أعطانا نعمة الأسقفية والبطريركية، وقلنا نحن أيضًا نعم. لكن هل ما زلنا أمناء لهذه الـ"نعم"؟".

وقال: "نحن نعيش اليوم زمن السينودس، زمن الإصغاء لما يقوله الروح للكنيسة. وهذا الإصغاء يقودنا إلى التمييز الروحي والأخلاقي بين الخير والشر في حياة المجتمع. في هذا السياق، لا تستطيع الكنيسة أن تبقى صامتة أمام ما يعيشه لبنان من أزمات وصعوبات. فالبلاد تمرّ بظروف دقيقة، وتشهد تحديات كبيرة، واعتداءات وانتهاكات لحقوق الإنسان، وضغوطًا تمسّ كرامة الشعب وحياته اليومية. إن الكنيسة، بحكم رسالتها الإنجيلية، لا تستطيع أن تقف مكتوفة الأيدي. فهي مدعوة دائمًا إلى أن تكون صوت الضمير، وأن تعطي صوتًا لمن لا صوت له. نحن لا نمارس السياسة، لكننا نعلن مبادئ الحق والعدالة. نحن لا ننافس أحدًا في السلطة، لكننا ملتزمون بالدفاع عن الإنسان وكرامته. الكنيسة لا تستطيع أن تهمل الفقراء، ولا تستطيع أن تتجاهل الألم الذي يعيشه الناس، لأن رسالتها هي رسالة المحبة، والمحبة لا يمكن أن تكون صامتة أمام الظلم. إنّ عيد بشارة العذراء يحمل أيضًا رسالة وطنية عميقة. فكما دخلت نعمة الله إلى العالم من خلال "نعم" مريم، يحتاج وطننا اليوم إلى "نعم" جديدة تُقال لله: نعم للحق، نعم للعدالة، نعم للكرامة الإنسانية، نعم للمحبة التي تبني المجتمع. في هذا العيد المبارك نرفع صلاتنا إلى الله بشفاعة العذراء مريم، لكي يفيض نعمته على كنيستنا ويقود رعاتها بروح الحكمة والخدمة، ولكي يحفظ وطننا لبنان في السلام والاستقرار. فنرفع المجد والشكر، للآب والابن والروح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين".

بعدها تلقى الراعي التهاني  بالعيد وبمناسبة الذكرى السنوية الخامسة عشرة على توليه السدة البطريركية من الحاضرين.

 

Posted byKarim Haddad✍️

البطريرك الراعي في عظة احد الشعانين: كفى حربًا وقتلًا وتدميرًا وقوة الإنسان في تمسكه بالحق والسلام
March 29, 2026

البطريرك الراعي في عظة احد الشعانين: كفى حربًا وقتلًا وتدميرًا وقوة الإنسان في تمسكه بالحق والسلام

ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس أحد الشعانين على مذبح كنيسة الباحة الخارجية للصرح البطريركي في بكركي "كابيلا القيامة"عاونه فيه المطارنة حنا علوان، الياس نصار، انطوان عوكر، أمين سر البطريرك الأب كميليو مخايل، أمين سر البطريركية العام الأب فادي تابت، رئيس كاريتاس لبنان الأب سمير غاوي، ومشاركة عدد من المطارنة والكهنة والراهبات، في حضور حشد من المؤمنين. 

وقال في عظة: "يسوع يدخل أورشليم لآخر مرّة ليشارك في عيد الفصح اليهودي، وكان مدركًا اقتراب ساعة آلامه وموته. وخلافًا لكل المرّات، لم يمنع الشعب من إعلانه ملكًا، وارتضى دخول المدينة بهتافهم: "هوشعنا لابن داود مبارك الآتي باسم الرب، ملك إسرائيل". دخل أورشليم ليموت فيها ملكًا فاديًا البشر أجمعين، وليقوم من بين الأموات ملكًا مخلِّصًا إلى الأبد من أجل بعث الحياة فيهم. هذا يعني أنّه أسلم نفسه للموت بإرادته الحرّة.  يسعدني أن أرحّب بكم جميعًا في هذا الاحتفال المبارك، مع ترحيب خاص بأطفالنا الأعزاء، صغارنا الذين يملؤون هذا العيد فرحًا ونورًا. اليوم هو عيدكم، عيد الأطفال الأحباء، عيد الشعانين، عيد الأطفال بالثياب الجديدة والشموع المضيئة والقلوب البريئة. أنتم فرحة هذا العيد، وأنتم صورة البراءة التي استقبلت يسوع في أورشليم بهتافات: هوشعنا! لكن قلوبنا تعتصر ألمًا وحزنًا على الأطفال الذين قصفت أعمارهم صواريخ الحرب البغيضة على أرضنا؛ وعلى الأطفال المشرّدين مع أهلهم تحت هذه الأمطار والصقيع بدون ثياب عندهم. فإنّا نشكر كل المؤسسات والأفراد الذين يحملون إليهم المواد الغذائية والأدوية والثياب، ونخصّ بالذكر دولة مصر التي وصلت مساعداتها بالأمس. ونتضامن مع أهلنا المسالمين الصامدين في بيوتهم، في الجنوب وسواه، ملتمسين السلام ونهاية هذه الحرب المشؤومة. ولكن ما يؤلمنا بالأكثر استشهاد والد وابنه على طريق دبل وهما جورج وابنه إيلي سعيد، كما يؤلمنا قتل صحافيين، وطواقم طبية، وعناصر من الجيش اللبناني، وضحايا مدنيين في عدّة مناطق. كلّهم قضوا باستهدافات الجيش الإسرائيلي. فإنّا نصلّي لراحة نفوسهم، وعزاء أهلهم".

وتابع: " في مثل هذا اليوم خرجت الجموع لاستقبال يسوع، حاملين أغصان النخل والزيتون، هاتفين: "هوشعنا! مبارك الآتي باسم الرب، ملك إسرائيل". لقد استقبلوه كملك، لكن يسوع لم يدخل كملوك هذا العالم. لم يدخل بعظمة خارجية، بل دخل راكبًا على جحش، في صورة تعكس عمق تواضعه. إنه ملك التواضع، ملك السلام، ملك يختار البساطة طريقًا، والمحبة رسالة. أغصان النخل التي حملها الشعب كانت علامة استقبال الملوك، وأغصان الزيتون علامة السلام، فاجتمع في هذا المشهد معنى الملك ومعنى السلام. وكان هذا الدخول هو الأخير قبل آلامه وصلبه، قبل أن يسلّم ذاته حبًا وفداءً. وكانت الجموع كثيرة، لأنهم أتوا إلى أورشليم للاحتفال بعيد الفصح بحسب العادة، وكانوا قد سمعوا عن يسوع، خاصة بعد إقامته لعازر من الموت، فاندفعوا للقائه. لكن في المقابل، كان الفريسيون يتشاورون كيف يهلكون يسوع. وهكذا يتجلى التناقض بين من يهتف بالفرح، ومن يفكر بالرفض، بين من يرى النور، ومن يختار الظلمة. ويسوع، في وسط هذا كله، يدخل أورشليم بثبات، عارفًا طريقه، متممًا رسالته حتى النهاية".

واضاف: " إنّ إنجيل أحد الشعانين يحمل رسالة عميقة لواقعنا اللبناني اليوم. فالشعب الذي خرج لاستقبال يسوع لم يحمل سلاحًا، بل حمل أغصان النخل والزيتون، علامة الفرح والسلام. واليوم، ونحن نحمل هذه الأغصان، لا يمكن إلا أن نتأمل في واقع وطننا الذي يعيش اضطرابات وتوترات على أرضه وحدوده. في وسط هذا الواقع، يأتي هذا العيد ليذكّرنا بأن خيارنا هو السلام. أغصان الزيتون التي نحملها ليست مجرد رمز، بل هي موقف، هي إعلان بأننا نريد السلام، ونتمسك به، ونعيشه رغم كل التحديات. "هوشعنا" التي هتف بها اليوم هي صرخة رجاء، صرخة إيمان، صرخة تقول إننا نريد الخلاص، نريد أن يبقى وطننا في نور الحق. وفي زمن تميل فيه الأصوات إلى التوتر والانقسام، تبقى دعوتنا أن نهتف: سلامًا، سلامًا، سلامًا! وكفى حربًا وقتلًا وتدميرًا! فالمسيح الذي دخل أورشليم هو ملك السلام، ونحن مدعوون لنحمل هذا السلام في قلوبنا، وفي بيوتنا، وفي مجتمعنا. إن قوة الإنسان ليست في العنف، بل في قدرته على التمسك بالسلام، وعلى حفظ الكرامة، وعلى الثبات في الحق. وهكذا يصبح أحد الشعانين دعوة حقيقية لنا لنكون شهودًا للسلام، ولنحمل في حياتنا هذا الغصن الأخضر، علامة الرجاء الذي لا يخيّب، والإيمان الذي لا ينكسر.

وختم الراعي: "فلنرفع صلاتنا اليوم إلى الله، كي يبارك أطفالنا ويملأ قلوبنا فرحًا ونورًا، ويحمينا من ويلات الحرب، وكي يحفظ عائلاتنا في المحبة والسلام. نصلي من أجل وطننا لبنان، لكي يحفظه الله من كل شر، ويمنحه الاستقرار والسلام الدائم والعادل والشامل. ونصلي لكي يبقى هذا الوطن أرض رسالة، أرض لقاء، أرض سلام، ولكي يمنح الله أبناءه القوة والثبات في هذه الظروف. فنرفع المجد والشكر للثالوث القدوس، الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين".

بعدها بارك الراعي أغصان الزيتون ثم أقيم زياح الشعانين، حيث حمل الأطفال الشموع واغصان الزيتون والنخيل مرددين هوشعنا في الاعالي مبارك الآتي باسم الرب.

 

شيخ العقل في خطبة الفطر: لا خلاص من المحنة إلا بالتضامن الوطني
March 20, 2026

شيخ العقل في خطبة الفطر: لا خلاص من المحنة إلا بالتضامن الوطني

اعتبر شيخ العقل لطائفة الموحدين الدروز الشيخ سامي ابي المنى "اننا اليوم أمامَ تحدِّي الحفاظِ ‏على لبنان الكبير، باستكمالِ تطبيقِ اتفاق الطائف، ليكونَ خشبةَ خلاصٍ لوحدة بلادِنا وحمايةِ استقلالِها، ولتكونَ ‏الدولةُ مِظلّةَ الجميع"، ورأى أنّ "لا خلاصَ للبنانَ إلَّا بوحدة أبنائه والتزامِهم الوطني، علَّه يتمكّنُ من تجاوزِ ‏المحنةِ وإعادةِ إعمارِ ما تهدَّمَ من بناء، وترميمِ ما تزعزعَ من ثقة".‏

كلام الشيخ ابي المنى جاء في خطبة عيد الفطر المبارك في مقام الأمير السيد عبدالله التنوخي، بعد الصلاة ‏صبيحة العيد، بمشاركة مشايخ من الطائفة، وفاعليات روحية واجتماعية واعضاء من المجلس المذهبي، ومن ‏إدارتي المجلس ومشيخة العقل والمستشارين.‏

وجاء في الخطبة: ‏"بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على النبيِّ المصطفى وعلى آله وصحبه ومَنِ ‏اقتفى، وعلى أنبياء الله أُولي الهدايةِ والصفا.‏
إخوانَنا الأكارم، أهلَنا الأعزَّاء، أشقّاءَنا المسلمين على اختلاف مذاهبِهم ومناطقِهم، أيُّها الصائمون المُفطِرون، ‏أثابكم الله...‏
نُودِّعُ وإيَّاكم شهراً هو عند الله أفضلُ الشهور وأعظمُها فضلاً، بما يختزنُه من معانٍ سامية، وما يُتيحُه من فرصٍ ‏للعودةِ إلى الذات والقرب منَ الله سبحانه وتعالى، إذ هو شهرُ نزولِ القرآن الكريم، بما فيه من آياتٍ لهداية الناس ‏وخلاصِهم: "شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ"، وشهرُ الصوم ‏والصبرِ واختبارِ النفس والاندفاعِ لعمل الخير وكسبِ الأجر وعيشِ التقوى، لما في الصيامِ من فضائلَ أرادها اللهُ ‏للمسلمين من قبلُ ومن بعد: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ". ‏في صباح العيد كم يطيبُ الدعاءُ والاستغفار! وكم يحلو القيامُ بعمل الخير والحسنات وفعلِ الزكاة! لنقومَ بعدَها ‏بأداء فريضة الصلاة، وكأنّ ما نُقدِّمُه باكراً من دعاءٍ وزكاةٍ هو الأوجبُ والأولى للتقرُّب منه تعالى، يليه فعلُ ‏صلاةِ العيد التي هي طقسٌ من طقوسِه المبارَكة، تجمعُ المؤمنينَ وتؤلِّفُ قلوبَهم وتُقرِّبُ المسافاتِ بينهم، وفي هذه ‏وتلك فرصةٌ للمرءِ، عليه ألَّا يُفرِّطَ بها، بل هي منحةٌ من الله تعالى لتنقيةِ الإيمان وتقويتِه، ولتجديدِ العزمِ والإرادةِ ‏للصعود والارتقاءِ إلى حيثُ رضا الله تعالى والعيشُ الآمنُ في كنَفِه". إنَّه العيدُ يُشرقُ من جديد، بالرغم من ‏الأسى والتّهديد، وها هي المناسباتُ تُطلُّ وتتوالى، وبوارقُ الأملِ تَلمعُ وتَسطع؛ من ميلادٍ مجيد ومولدٍ سعيد، إلى ‏صيامٍ وفطرٍ وصومٍ وفصح، وإلى ذِكَرٍ وأعيادٍ دينيةٍ وإنسانيةٍ ووطنية تُلامسُ شَغافَ القلب والوجدان، وكأنها ‏جميعُها تُطلقُ النداءَ تلوَ النداءِ للّبنانيين أنِ اتَّحدوا وأَحِبُّوا بعضَكم بعضاً، ولا تُفسحوا المجالَ بين حدَثٍ وحدَث ‏مهما كبُر، وبين عيدٍ وعيد أينما أطلّ، لأيّ خرقٍ أو خلاف، ولأيّ تراجعٍ عن عهد الأملِ والسلام، وعن مسيرة ‏الإصلاحِ والإنقاذ".‏

اضاف: "في لبنانَ الوطنِ الجامعِ، تتلاقى الأفئدةُ وتتعانقُ الساحات، وأينما اجتمعَ اللبنانيُّون للتعبير عن طموحاتِهم ‏أو لإحياء مناسباتِهم، فهم يَحمِلون رسالةَ لبنان، وقد زرعْنا‎ ‎إلى جانبِها بالأمس القريب، معَ قداسة البابا، شجرةَ ‏الزيتون المبارَكة، وآلينا على أنفسنا أن نتعهَّدَ الرسالةَ والشجرةَ بالرعاية والعناية، لتُثمرَا ثمارَ محبةٍ ورحمة،‎ ‎ومفاهيمَ أُخوّةٍ وسلام، وعيشاً واحداً مشترَكاً، وإرادةً وطنيةً موحَّدة، فننتصرَ جميعُنا في مُهمّة بناءِ الدولةِ وحفظِ ‏الوطن. إنَّ عمليةَ بناءِ الوطن تَبدأُ ببناء المواطن، بناءً قائماً على صدقِ الإيمان بالله وصدقِ الولاء للوطن، حيث تلتقي ‏صلاةُ الفرد منّا بصلاةِ الجماعة، ويتعانقُ عملُ الداخل معَ اهتمامِ‎ ‎الخارج، في مُهمّةٍ روحيّةٍ ووطنيّة؛ تُرسِّخُ علاقةَ ‏الإنسانِ المؤمنِ بخالقه، وتؤلِّفُ بين ما يَبذُلُه الفردُ والمجموعاتُ من قلبِ الدولة والمؤسسات معَ ما يُقدِّمُه الخارجُ ‏من اهتمامٍ ومساندة، فيتكاملُ ارتقاءُ المُواطنِ معَ تقدُّم الوطن، ويتجلّى معنى التنوُّعِ في الوحدة، ومعنى الزيتونةِ ‏اللبنانيةِ اللاشرقيةِ واللاغربية، الراسخةِ جذورُها في أرض الآباء والأجدادِ، والممتدةِ أغصانُها في كلِّ اتّجاه".‏

وتابع: "الأُخوةُ الكرام، إنّ ساحةَ البلاد وساحاتِ المِنطقة أصبحت مَيدانَ صراعٍ لا نرى له نهايةً في الأمد ‏القريب، والحربَ الأخيرةَ، بعدوانيَّتِها وقساوتِها وفداحةِ تأثيرِها وخطورتِها، كشفت عن كمٍّ هائلٍ من التناقضِ ‏والهواجسِ والاختلاف في كيفيّة التعاملِ معها، ولكنّ الجميعَ مُجمِعون، بالرغم من ذلك، على أنّ كلَّ هذا التناقضِ ‏والاختلافِ والهواجسِ لا يجبُ أن يُفضيَ إلى الانقسام أو اليأس، أو أن يتحوّلَ إلى تَصادمٍ وتنافرٍ‎ ‎يُهدِّدُ الاستقرار، ‏ويُعيقُ مهمةَ النهوضِ والازدهار، ولا إلى انقلابٍ على مفهوم العقد الاجتماعي القائمِ بين المُكوِّنات اللبنانية، ‏فمسيرةُ بناءِ الثقة بالدولة وتحصينِ مؤسساتِها واستعادةِ سلطتِها يجبُ أن تُستكمَل، وقرارُ اللاعودةِ إلى الوراء ‏يجبُ أن يبقى ثابتاً ومُصاناً من الجميع، مهما اشتدّتْ وتيرةُ الحروب، ومهما ازدادتْ حدّةُ الأزمات. جميعُنا ‏معنيُّون بالنهوضِ بالوطن، ومُدركونَ أنّ ذلك غيرُ ممكنٍ بدون مؤازرة العهد والحكومة ومواكبتِهما في رحلة ‏تأكيدِ السيادة وتحمُّلِ المسؤولية، بدءاً بالتّصدي للقضايا المصيرية ومواجهةِ الاعتداءِ الغاشمِ على الأرضِ ‏والممتلكاتِ‎ ‎والأهالي، بما تقتضيه الحالُ من حكمةٍ وشجاعةٍ وتماسُكٍ‎ ‎وحذرٍ واحتياطٍ ووحدةِ موقف، ومن اعترافٍ ‏وتأكيدٍ أن الدولةَ هي الأجدرُ من سواها ببسطِ سلطتِها ومواجهة العدوانِ‎ ‎وأطماعِه التوسُّعية، واستفزازاتِه ‏المُتصاعدة، واعتداءاتِه المتكرّرة، بما تراه مناسباً، ومن خلال جيشِها الوطنيّ والتفافِ الشعب حولَها.‏
إنّ الانتصارَ للوطن لا يكونُ بالخروج عن إرادةِ الدولة ونزعِ الثقة عن المؤسسةِ العسكرية اللبنانية، بل باحترامِ ‏هيبتِها والانضواءِ الطَّوعي في كنَفِها، وبمساندتِها سياسيَّاً، وبدعمِ الجيش والقوى الأمنية، لتمكينِها من القيام بمُهمةِ ‏حماية الحدود والحقوق، وتأكيدِ السيادة وتحقيقِ الاستقرار، وصونِ الوحدة الوطنية التي هي الدرعُ الواقيةُ‎ ‎للوطن.‏
الدولةُ مسؤولةٌ، ونحن معها، لإصلاح مؤسساتِها، ولإعادة الانتظام المالي، ومعالجةِ أوضاع الناس المعيشية، ‏وطمأنة المُودِعين على أموالهم وجنى أعمارهم، وقد خَطَتِ خُطواتِها الأُولى في أكثرَ من مجالٍ لتغيير مسارٍ يكادُ ‏يقودُ إلى انهيارٍ تامٍّ إذا ما استمرّ، وها هي الدولةُ اليومَ تواجه أزمة النزوح وتتحمّل مسؤوليةَ الإيواء والرعاية، ‏في ما العالَمُ من حولنا غارقٌ بحربٍ لا نعرف متى تنتهي، ممّا يُوجبُ أقصى درجاتِ التضامن والتكافل ‏الاجتماعي، والوقوفَ مع الدولة في هذه المهمّة الوطنية والإنسانية، ومع أهلِنا المتضرِرين والنازحين قسراً من ‏بيوتِهم".‏

واستطرد شيخ العقل: "صحيحٌ أننا نحتفلُ في هذا العام بمئوية الدُّستور اللبناني الذي سبقْنا جميعَ دولِ ‏المِنطقة بإعلانه كناظمٍ للحياة السياسية في لبنانَ الكبير، وقد حصّناه لاحقاً باتّفاق الطائف، لكننا اليومَ أمامَ تحدِّي ‏الحفاظِ على هذا الـ"لبنانَ الكبير" باستكمالِ تطبيقِ الاتفاق، ليكونَ خشبةَ خلاصٍ لوحدة بلادِنا وحمايةِ استقلالِها، ‏ولتكونَ الدولةَُ مِظلّةَ الجميع، أكانوا طوائفَ ومذاهبَ أو أحزاباً ومؤسساتٍ أو أفراداً، لا أن تكونَ هي تحت ‏مِظلّةِ أحدٍ مهما عظُمَ شأنُه، سوى مظلَّةِ القانون والعيش المشترَك. وجميعُنا توَّاقون إلى استثمار علاقاتِ لبنانَ ‏الخارجيّة خصوصاً في هذه المحنة التي يعيشُها، إذ لا حياةَ لهذا البلد الصغيرِ بحجمِه والغنيِّ بتنوُّعِه وموقعِه إلَّا ‏بالعلاقات الطيِّبة معَ الأشقَّاء والأصدقاء المُخلصين، وقد آلمَنا ما حصل ويحصل على الساحة العربية والإسلامية، ‏ولا سيَّما من اعتداءاتٍ مُقلِقة على دول الخليج العربي، ومن أعمالٍ عسكرية تجاوزتِ الحدودَ وقتلتِ الأبرياءَ ‏ودمّرتِ الممتلكاتِ في دول المنطقة، متأسّفينَ لتوريط لبنانَ في هذه الحربِ المُدمِّرة، ومتوجِّهينَ إلى المجتمع ‏الدولي للمساعدة في إيجاد تسويةٍ مُمكنة تُوقفُ العدوَّ عند حَدِّه وتُجبِرُه على التعاطي الصادق معَ القراراتِ الدولية ‏والاتفاقات وتَحُدُّ من أطماعِه التوسُّعيّة، واثقينَ أنّ لا خلاصَ للبنانَ إلَّا بوحدة أبنائه والتزامِهم الوطني، علَّه يتمكّنُ ‏من تجاوزِ المحنةِ وإعادةِ إعمارِ ما تهدَّمَ من بناء، وترميمِ ما تزعزعَ من ثقة. ‏إنّ طائفةَ الموحّدينَ الدروزِ كانت وستبقى ناهجةً نهجَ الوسطية والاعتدال، ومعتزَّةً بدورِها اللاحمِ وبعلاقاتها ‏المُتّزنةِ معَ أبناء الوطن كافةً، مُحافِظةً على هُويّتِها اللبنانيةِ العربية، بالرغم من صراخِ أبواقٍ مُضلِّلة مُنحرفة، ‏ومُحافظةً على هُويّتها الإسلاميةِ التوحيديّة، بالرغم من ضجيج أصواتٍ مُشكِّكة مُتطرّفة، متيقّنةً أنّ لا أمنَ ولا ‏أمانَ لها ولشقيقاتِها العائلات الروحية الكريمة إلَّا بالشراكة الروحية الوطنية، وبما ينتجُ عنها من شراكةٍ اقتصادية ‏تنموية،‎ ‎تحقّقُ للشعبِ أمنَه الوطنيَّ والغذائي، وتُبدِّدُ هواجسَ شبابِه وتعزّزُ ثقتَهم بالوطن".‏

وختم بالقول: "إذا كانت ظروفُ البلاد قد حالت دون إقامة إفطار دارِ الطائفةِ الجامع، بالرغم من تأكيد حضورِ ‏جميعِ أطيافِ التنوّع الوطني الرائع، تأكيداً على مِيزة الاجتماع اللبناني، وعلى ميزة الدار وأهلِها وحسنِ علاقاتِها ‏معَ الجميع، لكنَّنا نؤكِّدُ، كما فعلنا وكما كنَّا سنفعل، على أنه مهما تبدّلتِ الفصولُ والمراحل، ومهما تداولتِ الدولُ ‏والقبائل؛ لا انعزالَ ولا انفصال، بل تلاحمٌ واتّصال، ووحدةٌ أقوى من أيِّ احتلال، وإيمانٌ قويٌّ لا يتزعزع؛ إيمانُ ‏بعضِنا ببعض، وإيمانُنا معاً بالله وبالوطن. حماكم الله وحمى أوطانَنا من أيِّ سوء. مبارَكٌ صومُكم وفطرُكم، ‏وصلاتُكم وزكاتُكم، وكلُّ عامٍ وأنتم بخير".‏