Friday, 12 June 2026

جاري التحميل...

جاري التحميل...

عاجل
الخطيب: سنحافظ على كل عوامل قوتنا ولن نفرّط بمقاومتنا ووحدة شعبنا

الخطيب: سنحافظ على كل عوامل قوتنا ولن نفرّط بمقاومتنا ووحدة شعبنا

June 29, 2025

المصدر:

وكالة الأنباء المركزية

رعى نائب رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى العلامة الشيخ علي الخطيب إحياء الليلة الثالثة من محرم في مقر المجلس - طريق المطار ، بحضور ممثلي المرجعيات الدينية وعلماء دين وشخصيات سياسية وقضائية وعسكرية وتربوية وثقافية واجتماعية ومواطنين.

وبعد تلاوة اي من الذكر الحكيم للقارئ احمد المقداد قدم الحفل الدكتور جهاد سعد مستهلا كلمته،: "يا أيها الذين أمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم. وهذه إشارة إلى أن عملية القيام بالقسط مستمرة ودائمة في كل الأزمان وفي كافة المجالات لأن الله تعالى لم يقل قائمين بالقسط بل قوامين بالقسط . والمقاومة من نفس المادة اللغوية للقوامية هي العملية والفعالية المستمرة للقيام بالقسط وهي القاعدة في الكون وليست الإسثتناء. فقد عالج العلم مسألة المقاومة في الكون والطبيعة، وقرر أنها ظاهرة وفاعلية كونية، فالمعادن تقاوم التيار الكهربائي ، وتتميز عن بعضها بمقدار وحجم وقوة هذه المقاومة، والمعادن الصلبة تقاوم بشدة، مما يجعلها شديدة الإحمرار وينتج عن هذه العملية نار ونور، دفء وإضاءة، والعلم يستثمر هذه الظاهرة في كل تفاصيل الحياة اليومية لخدمة الإنسان".

أضاف: "وفي البيولوجيا، تعتبر المقاومة للأجسام الغريبة من وظائف الأجسام الحية، وهي أيضا تصاب بالحمى عندما يستنفر جهاز المناعة لطرد الجسم الغريب، والمقاومة هنا ليست فقط وظيفة حيوية، بل من أدلة الوعي والحياة. أخبث فيروس يواجهه المجتمع العلمي اليوم، هو فيروس نقص المناعة المكتسبة، لأنه يستهدف جهاز المناعة فيقلل من قدرة الجسم على المقاومة، وبالتالي يقلل من قدرة الجسم على الحياة. وفي علوم البيئة، تبادر الطبيعة إلى الغضب عندما تشعر أن الإنسان قد أخل بتوازنها، وطغى في الميزان، إنها ترى أن الإنسان يسعى إلى التحكم بمقدراتها عن طريق إلغاء التنوع البيئي، وصناعة التصحر، وتمنحه الحياة بغناها وتنوعها وتطلب منه المشاركة في سمفونية الحياة، فيرد عليها بنشيد الموت". 

وقال: "المقاومة إذن ، شأن المعادن الصلبة، والأجسام الحية، والبيئة المتوازنة، والعالم الحر، والمجتمع الحي، والكل يقاوم من أجل أن يحفظ خصائصه ويقوم بوظيفته ويحمي توازنه ويشارك في صنع الحياة من حوله، لكي يكون هناك حوار. وفي مجال الاجتماع البشري، تستبدل المعادن الصلبة، بالمجتمع الأصيل، والجسم الحي بالمجتمع الحي، والبيئة المتوازنة بالدولة العادلة، وعندما يتعرض مجتمع حي للغزو ولخطر الإبادة فإنه يقاوم ليدافع عن وجوده وأصالته، وليقوم بدوره في دورة الحياة. والحياة في المجال الانساني تتعدى معناها البيولوجي، فهي أكثر من مجرد العيش، فالعلم حياة العقل، والذكر حياة الروح، والأسرة حياة القيم، والشريعة حياة المدينة، والعمارة حياة الحضارة، والتفاعل حياة الثقافة، والشهادة حياة الكرامة، والكرامة حياة الإنسان".

أضاف: "يقترح علينا دعاة الإنهزام الاكتفاء بالعيش، ونحن نجيب بلسان علي (ع): والله ما خلقت كالبهيمة المربوطة همها علفها وشغلها تقممها تكرش من أعلافها ، وتلهو عما يراد بها. ويمثل دعاة الإنهزام ذلك الشكل الإجتماعي من فيروس نقص المناعة الذي يهدف إلى إصابة المجتمع بنوع من الإيدز الحضاري، فهم يستهدفون الوعي بوصفه جهاز المناعة، و يركزون على الإعلام كوسيلة لاسقاط الوعي ليتمكن فينا الغزو، فيسقط منا الحياة والروح ويبقي منا العيش، يسقط فينا الإنسان، ويبقي منا الحيوان".

وختم: " هم إذن أصحاب ثقافة العيش، ونحن أصحاب ثقافة الحياة، هم سماسرة الطغيان والإقصاء والإلغاء، ونحن دعاة التوازن والعدل والمشاركة، هم صوت الصناعة والتلوث البيئي والاجتماعي والسياسي، ونحن صوت الفطرة السليمة والطبيعة الأم التي تغضب لترحم، وتقاوم لتشارك".

فحص

 والقى كلمة "حزب الله" مسؤول وحدة التبليغ والأنشطة الثقافية  السيد علي فحص التي قال فيها: "من وسائل عمل الطغاة والجبابرة وأهل الضلال والمفسدين في الأرض، وكذلك الفراعنة والحكومات الجائرة المستبدة التي تريد السيطرة على الأمم والشعوب ونهب خيراتها وثرواتها واستعبادها الاستخفاف بالعقول وتعطيلها، والحيلولة دون إعمالها بالتفكر والتدبر والتأمل، وترك الناس يعيشون في ظلام الجهل وعتمته الداكنة، والانحطاط والتردي العلمي والثقافي والمعرفي والفكري والحضاري، وتحويلهم إلى أمم وشعوب مخدّرة تغرق في الغفلة فلا يعرفون ولا يدركون حقيقة ما يخطط لهم الأعداء وخطورته على حياتهم وخيراتهم وكرامتهم ومستقبلهم".

أضاف: "هذا الأسلوب الفرعوني (والاستخفاف بالعقول) بات أسلوبًا حاكمًا وحاضرًا بقوة في عالمنا اليوم، كما كان سابقًا أيام الفراعنة والنماردة والطواغيت، وكما حضر في تاريخ أمتنا الإسلامية في عهد معاوية ويزيد...

فهو يحضر اليوم ويسيطر على أغلبية أمم وشعوب وحكام منطقتنا - إلا من رحم ربي-، ويحضر من خلال أدوات ووسائل هذه المنظومة الطاغوتية الحاكمة في عالمنا حيث تستخدم في مختلف الساحات، ومع مختلف الشرائح العلمية والفكرية والاجتماعية والسياسية والإعلامية والدينية والفنية وغيرها، ومراكز الدراسات المتنوعة من مختلف الميادين ليكونوا أبواقًا وأدوات تنشر الرواية والفكرة التي تريدها تلك القوى المستبدة، وتنظّر لها، وتحشد لها الأدلة والبراهين الواهية التي لو أعمل الناس فيها عقولهم جيدًا وتفكروا وتدبروا وتأملوا لعلموا أنها لا تصمد أمام الحقيقة والعقل والحكمة والمنطق السليم، ولتحولوا من الغفلة والركون وحالة الضياع والتشتت إلى اليقظة والوعي والبصيرة، ولعرفوا الحقائق كما هي، وعرفوا من هو العدو ومن هو الصديق، وأين هو الحق وأين هو الباطل، ومن هو الذي يبيعهم ويتاجر بحقوقهم وكراماتهم ومستقبلهم.ولعرفوا القيم الحقيقية التي يجب اتباعها من القيم المزيفة التي يروّج لها الأعداء. ولانتقل من حالة اليأس والإحباط وانعدام الوزن إلى الفاعلية والتأثير وقلب الموازين على الطغاة، ولتبدّل ظلام الجهل بنور العلم والمعرفة، وتنامى واتسع الرشد الفكري والعلمي والحضاري بشكل واسع، وعمّت البصيرة والفهم الجيد والصحيح للأحداث والوقائع، وتمكنوا من توحيد الطاقات والاصطفاف الصحيح في الجبهة المناسبة".

وتابع: "كل ذلك يشكّل أعظم خطر على تلك الحكومات وأولئك الطغاة والفراعنة. فرعون لما جاءه موسى وهارون عليهما السلام يدعوانه إلى الله وترك الظلم والطغيان بعد أن سرق عقول الناس واستخف بها (وعلى رأي بعض المفسرين: الاستخفاف هو طلب الخفة من ثقل، وثقل الإنسان عقله). فإذا خف العقل باستخفاف المستخف تنازل عنه وتغافل وترك حكمه، يحل محله الطاعة المطلقة لمن يستخف من الفراعنة والطغاة وأهل الضلال والمفسدون في الأرض. فيصبح الإنسان في مهب الريح، وعندها يُستعبد، ويقدّم لهم الفرعون والطاغية أدلته التي لا تصمد أمام العقل المدرك المتفكر المتدبر الواعي وتنطلي عليه. القرآن الكريم نقل لنا ذلك عندما حكى لنا ما قدّمه فرعون لهم من أدلة حيث قال تعالى: وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (51)، أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (52)، فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53) (سورة الزخرف 51-53). هنا قال بعدها تعالى: ﴿فاستخف قومه فاطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين﴾ فاسقين: خارجين عن حكم العقل والفطرة وحكم الله تعالى. لذلك حصل الاستخفاف، وهو لا يحصل فقط بفعل الفرعون بل بتجاوب الناس معه وتركهم للتفكر والتعقل والمواجهة مع الظالم. فلو كانوا واجهوه وردوا أدلته الواهية عليه لاختلف الأمر".

وأردف فحص: "وهذا هو ما حصل مع سيد الشهداء الحسين حيث استمع الناس يومها لأبواق السلطة من مختلف الشرائح ولم يستمعوا إلى منطق الحسين عليه السلام، فاستخفوا بعقولهم وباعوها، وحصل ما حصل في كربلاء. وهذا يرتّب علينا جميعًا مسؤولية عظيمة وكبيرة وتاريخية وإنسانية. ﴿الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا﴾ (سورة الأحزاب، الآية 39).

أن نبلّغ ونبيّن للناس الحقائق والوقائع والأحداث، وما يجري في ساحتنا، وأن نكون حاضرين بكل قوة في هذا الميدان بين الناس وبين أهل الباطل وما يقومون به لتبقى الفئة المؤمنة القوية التي تتميز بالمنعة والاستقامة على موازين الحق والعقل والحكمة والقيم الحقّة فلا يؤثّر بها الاستخفاف بل بمقدورها مواجهته والتغلّب عليه. سيد الشهداء عليه السلام هذا ما فعله في كربلاء حيث بيّن حقيقة الصراع وخصائص كل جبهة عندما قال: "إنّا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة... ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المحترمة... ". وعندها صدر هدفه ليكون واضحًا للأمة بقوله: "لم أخرج أشرًا".

وقال: "اليوم أيها الأعزاء تمر أمتنا بظروف صعبة ويجمع الشر والباطل حقده في مقابل خير الله، ويستخدم نفس الوسائل والأساليب المتطورة ويطمس الحقائق. فشن حربًا على غزة وعلى لبنان واليمن وسوريا وأخيرًا على الجمهورية الإسلامية في إيران تحت حجج واهية وأهداف خبيثة. والحمد لله انتصرت إيران بشعبها وقوتها المسلحة تحت قيادة الولي الفقيه الإمام الخامنئي - دام ظله - ونصرها نصرنا جميعًا وهو نصر لكل الأمة ولكل أحرار العالم. أراد أن ينتزع أسباب القوة من إيران ليسهّل استعبادها لكنها انتصرت بوحدتها وقيادتها وقوتها بعد الله تعالى.  نحن سنحافظ على كل عوامل قوتنا ولن نفرّط بمقاومتنا ووحدة شعبنا وأهلنا والمساعدة في بناء الدولة المقتدرة التي بمقدورها أن تدافع عن أهلها وشعبها وتعيد إعمار ما دمرته الحرب الصهيونية وكذلك سنحفظ استقلالنا وسيادتنا ونعيد أسرانا. نحن اليوم نسير على خطى ونهج إمامنا الحسين عليه السلام ونصنع ونصون كرامتنا وعزتنا ووحدتنا مقابل هذا العدو الغاشم المتوحش المتفلت من كل القوانين والقيم والأعراف.  العدو الذي يخوض حروبًا في المنطقة متنقلًا من ساحة إلى أخرى وآخرها الجمهورية الإسلامية في إيران بمساعدة أمريكية واضحة ومكشوفة ودعم أوروبي لتدمير كل أسباب القوة هناك من النووي إلى الصاروخي إلى الدولة. كل ذلك لتستسلم إيران فكان الله حاضرًا وانتصرت إيران. وإيران ونحن في أيام محرم وسيد الشهداء عليه السلام يبقى خيارنا هيهات منا الذلة والمضي قدمًا في طريق العزة والكرامة. وفي لبنان هناك من انحاز إلى الطريق الآخر المعادي مراهناً على العدوان على إيران ليستثمر في الداخل ويرتب نتائج هنا. لكنهم صُدموا بعدم تحقق الأهداف وعاشوا حالة الخيبة. عاشوا ذلك عندما راهنوا على إسرائيل لسحق حزب الله. كل ذلك يدفعنا للقول لهم أن ييأسوا من ذلك ويتعلموا مما حصل وأن لا يبنوا على رهانات خاسرة".

وفي الختام تلا الشيخ نعمة عبيد مجلس عزاء حسيني.

 

Posted byKarim Haddad✍️

المطران إلياس عودة: القداسة ليست حكاية من الماضي بل دعوة ممتدة عبر الزمن
June 7, 2026

المطران إلياس عودة: القداسة ليست حكاية من الماضي بل دعوة ممتدة عبر الزمن

رأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس. بعد قراءة الإنجيل ألقى عظة قال فيها: "تحتفل كنيستنا في الأحد الأول بعد العنصرة بتذكار جميع القديسين. ليس من قبيل المصادفة أن يأتي هذا العيد مباشرة بعد حلول الروح القدس على التلاميذ، لأن القداسة ليست إنجازا بشريا مستقلا، ولا هي ثمرة قوة الإنسان الذاتية، بل هي الثمرة الأسمى لعمل الروح القدس في حياة المؤمنين. ففي العنصرة أعطي الروح للكنيسة، وفي القديسين ظهر عمل هذا الروح في الإنسان الذي يفتح قلبه لنعمة الله. لذلك، فإن تذكار جميع القديسين هو البرهان الحي على أن العنصرة لم تكن حدثا عابرا في التاريخ، بل حياة مستمرة في الكنيسة عبر الأجيال".

أضاف: "المقطع الإنجيلي الذي سمعناه اليوم يضع أمامنا جوهر دعوة القداسة التي تبدأ بالإعتراف بالمسيح، لا بالكلام فقط، بل بالحياة كلها. القديس هو الإنسان الذي جعل المسيح محور وجوده، وقدم محبة الرب على كل محبة أخرى. لهذا، يقول الرب: «من أحب أبا أو أما أكثر مني فلا يستحقني». هذه ليست دعوة إلى إحتقار العائلة أو التخلي عن روابط المحبة الإنسانية، بل إلى إعلان الله المصدر الأول لكل محبة، لأن كل محبة تجد معناها الحقيقي عندما تتجذر في الله. سمعنا أيضا شهادة الرسول بولس عن الذين «بالإيمان قهروا الممالك، وعملوا البر، ونالوا المواعد»، وعن آخرين احتملوا الإضطهاد والعذابات ولم ينالوا في حياتهم الأرضية ما وعدوا به. يرسم الكتاب المقدس أمامنا موكب القديسين الممتد عبر العصور، ويصفهم بأنهم «سحابة من الشهود». هؤلاء ليسوا أبطالا أسطوريين بعيدين عن واقعنا. هم بشر مثلنا، عرفوا الضعف والتجربة والخوف، لكنهم سمحوا لنعمة الله بأن تعمل فيهم. لذلك، يدعونا الرسول إلى أن ننظر إلى «يسوع رئيس الإيمان ومكمله»، لأن القداسة ليست تقليدا حرفيا لقديسي الماضي بقدر ما هي إتحاد حي بالمسيح القائم من بين الأموات".

وتابع: "أرثوذكسيا، القداسة ليست مجرد التزام أخلاقي، ولا هي حالة تخص فئة قليلة من الناس. إنها اشتراك الإنسان في حياة الله بالنعمة. الإنسان خلق على صورة الله، ودعي ليبلغ« قامة ملء المسيح» (أف 4 :13). هذه المسيرة التي يسميها الآباء «التأله» لا تعني أن يصير الإنسان إلها بالطبيعة، بل أن يصير إلها بالتبني، وأن يمتلئ من نور الله ومحبته وحضوره. القديس هو إنسان صار شفافا لنعمة الروح القدس، حتى أمكن للآخرين أن يروا فيه إنعكاس وجه المسيح. كثيرون يظنون أن القداسة كانت ممكنة في الأزمنة القديمة فقط، أما اليوم، في عالم السرعة والضجيج والضغوط الإقتصادية والإجتماعية والأمنية والتكنولوجية، فقد أصبحت أمرا بعيد المنال. لكن الكنيسة تعلمنا عكس ذلك. الروح القدس الذي قدس الرسل والشهداء والنساك هو نفسه يعمل اليوم في الكنيسة وفي العالم. القداسة لا تبدأ بأعمال عظيمة، بل بالإيمان بالله والأمانة لتعاليمه، بالصلاة الصادقة، والتوبة المستمرة، والمشاركة بالأسرار المقدسة، ومحبة القريب، وحفظ القلب من الكراهية والأنانية والعدائية، واكتساب التواضع قاعدة. إن الأب والأم اللذين يربيان أولادهما في مخافة الله، والطبيب الذي يمارس مهنته بأمانة، والمعلم الذي يخدم تلاميذه بمحبة، والعامل الذي يقدم عمله بضمير صالح، جميعهم مدعوون إلى القداسة في قلب العالم. الله لا يطلب من الجميع أن يتركوا كل شيء كما فعل الرسل، لكنه يطلب أن يضعوه في المقام الأول، وأن يحملوا صليبهم ويتبعوه".

وقال: "في هذا السياق، نستذكر اليوم الدكتور أديب صعب الذي انتقل عنا منذ أربعين يوما. إن عمل الروح القدس لا يقتصر على الأديرة أو ساحات الإستشهاد، بل يظهر أيضا في عيش الإيمان والمحبة والتواضع، في خدمة الفكر والثقافة والشهادة للكلمة. لقد عرف الراحل كيف يضع مواهبه الفكرية في خدمة البحث عن الحقيقة، فكرس سنوات طويلة لدراسة فلسفة الدين والحوار بين الأديان والدفاع عن قيمة الإيمان في عالم كثيرا ما ينجرف نحو المادية أو اللامبالاة الروحية. لقد سعى الدكتور أديب إلى إظهار حقيقة أن الإيمان ليس نقيض العقل، وأن العقل يجد كماله عندما ينفتح على سر الله. في مؤلفاته ومحاضراته ومقالاته حاول أن يقدم شهادة للفكر المسيحي الأرثوذكسي المنفتح والواثق بتراثه، القادر في الوقت نفسه على محاورة العصر. لم تكن هذه الجهود مجرد نشاط أكاديمي، بل كانت تعبيرا عن عطايا منحها الروح القدس لإنسان سخرها لخدمة الكنيسة والمجتمع. الفلسفة لم تبعده عن الله، بل قربته إليه أكثر، فسخرها ليصقل عقول طلاب اللاهوت ويدربها على التفكير النقدي والتحليل المنطقي، دون الإبتعاد عن الله الكلمة. نحن لا نضع أحدا في مصف القديسين بقرار بشري. القداسة تعلنها الكنيسة وفق تمييزها الروحي. لكننا نستطيع أن نشكر الله على كل ثمرة صالحة تظهر في حياة أبنائه. كل موهبة تستخدم لمجد الله وخدمة الإنسان هي علامة من علامات حضور الروح القدس. لذلك، أفضل تكريم لذكرى الدكتور أديب صعب ليس الإكتفاء باستذكار إنجازاته، بل التعلم من أمانته في طلب الحقيقة، ومن اجتهاده في العمل الفكري، ومحبته للكنيسة وتراثها".

وختم: "القداسة ليست حكاية من الماضي، بل هي دعوة ممتدة عبر الزمن. الله لا يدعونا إلى الإعجاب بالقديسين فقط، بل إلى السير في الطريق الذي سلكوه. سحابة الشهود التي تحدث عنها الرسول لا تحيط بنا لكي تدهشنا، بل لكي تشجعنا على عيش الإنجيل، والروح القدس قادر أن يجدد الإنسان مهما كانت ظروفه، إن شاء الإنسان فتح قلبه لعمل الروح، لأن المسيح الذي عمل في القديسين الذين سبقونا يعمل فينا أيضا. فلنرفع أنظارنا إلى الرب يسوع «رئيس الإيمان ومكمله»، ولنطلب أن يسكب في قلوبنا نعمة روحه القدوس، لكي نحمل ثمار المحبة والفرح والسلام وطول الأناة والصلاح والإيمان، فنصير نحن أيضا شهودا له في هذا العالم، و«نعترف به قدام الناس» فنستحق أن «يعترف بنا قدام أبيه الذي في السموات» ونكون شركاء جميع القديسين في ملكوته الأبدي".

 

البطريرك الراعي: لإنجاح المفاوضات… وإبعاد شبح الحرب
June 7, 2026

البطريرك الراعي: لإنجاح المفاوضات… وإبعاد شبح الحرب

ترأس البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي قداس تكريس لبنان والانتشار لقلب يسوع الأقدس وقلب مريم الطاهر في بازيليك سيدة لبنان_حريصا، عاونه فيه المطارنة حنا علوان، الياس نصار، شكرالله نبيل الحاج، شربل عبدالله،غريغوري منصور، ادغار ماضي، حبيب شامية، الياس سليمان، أمين سر البطريركية الخاص الأب فادي تابت، أمين سر البطريرك الخاص الأب كميليو مخايل، الرئيس العام لجمعية المرسلين اللبنانيين الموارنة الأب الياس سليمان، رئيس مزار سيدة لبنان_حريصا الأب خليل علوان، وممثلون عن مختلف الطوائف المسيحية، ومشاركة عدد من المطارنة والرؤساء العامين والرئيسات العامات والكهنة والراهبات، في حضور حشد من الفاعليات والمؤمنين من مختلف المناطق.

في بداية القداس، القى علوان كلمة ترحيبية قال فيها:"في قلب يسوع الأقدس، نودع لبناننا، هذا الوطن الذي أحبه وباركه، ونودع معه بلدان الشرق بكل شعوبها، وجميع اللبنانيين المنتشرين في أصقاع الأرض. نكرّس ذواتنا وعائلاتنا وأوطاننا اليوم للقلبين الأقدسين. ويا مريم، يا سيدة لبنان، أمنا الحنون وملجأنا الأمين، أنتِ التي جمعتِ اللبنانيين حولك عبر العصور، كوني اليوم جسر تلاقٍ بيننا. ابسطي حمايتكِ على أرضنا، لتبقى رسالة حب ورجاء في هذا المشرق. وكوني الملاذ لأبنائنا في الانتشار، احفظي إيمانهم، واجعلي منهم رسلاً للسلام والمحبة حيثما حلّوا".

وتابع: "يا سلطانة السلام، نطلب شفاعتك لدى ابنك. هبينا حكمة المحبة، وقوة الرجاء، ونعمة التسامح، لكي نعيش كإخوة في ظلّ حمايتك. اجعلي من تكريسنا هذا العام بداية زمن جديد، تسوده العدالة، وينعم فيه الإنسان بالكرامة، ويسود السلام الدائم في أرضنا وفي العالم أجمع. أرحب بكم في مقامكم، لنحتفل برآستكم بتجديد تكريس لبنان والانتشار والشرق الأوسط لقلب يسوع الأقدس ولقلب مريم الطاهر، وهذه مبادرة احتفظ بها المؤمنون بإيمان ورجاء، وثابروا على إقامتها عامًا بعد عام في هذا المزار برعايتكم وبركتكم. في هذه السنة التي أُعلن فيها سلفكم البطريرك الياس الحويك طوباويًا، نتلمّس بركته في هذه المناسبة، فله يعود له الفضل في تكريس لبنان لقلب يسوع الأقدس وللعذراء مريم.  ففي عام 1908، يوم أسس هذا المزار، كتب ترنيمة «يا مريم سلطانة الجبال والبحار وملكة لبناننا العزيز...»، وقد غدت هذه الانشودة على كل لسان، وأصبحت منذ ذلك اليوم نشيد المزار. وقبل ذلك بتسع سنوات، كرسَّ في العام 1899، الكنيسة المارونية للقلب الأقدس. وبعد ولادة «لبنان الكبير»، بفضل جهوده وصلاته، أودع، في عام 1922، لبنان والكنيسة المارونية لقلب يسوع الأقدس. حيث كتب: «إن أمنا الكنيسة تنادينا اليوم في وسط هذه الاضطرابات... أن استغيثوا بقلب يسوع الأقدس لنجاتكم وخلاصكم. فنحن... استجابة لدعوة هذه الأم... قد كرّسنا... إبناء الطائفة المارونية لقلب يسوع، وجعلنا لبنان تحت كنفه الخاص وحماه السامي».

وأضاف: "في العام 1954، زار لبنان الكاردينال أنجلو رونكللي (أي البابا القديس يوحنا الثالث والعشرون فيما بعد)، وكان آنذاك قاصدًا رسوليًا ممثلاً قداسة الحبر الأعظم في المؤتمر المريمي الذي عُقد في بيروت، فكرّس لبنان مرة أخرى لمريم العذراء. ولأن هذا الفعل التقوي لم يكن يومًا غريبًا عن عاداتنا وتقاليدنا وتاريخ شعبنا، فقد أحييتم يا صاحب الغبطة، على خطى اسلافكم القديسين، هذا التقليد في العام 2013، ووعدتم المؤمنين بتجديده سنويًا في هذا الصرح المريمي العريق. وها هي السنة الثالثة عشرة لهذا التجديد، وقد شملتم بهذا التكريس هذه السنة بلدان شرقنا العزيز وأبنائنا اللبنانيين المنتشرين في العالم".

الراعي: وبعد تلاوة الإنجيل المقدس، القى الراعي عظة بعنوان:""الروح يعزّيكم ويعلّمكم ويذكّركم"، قال فيها: "بهذه الكلمة المليئة رجاءً ونورًا، يهيّئ الرب يسوع تلاميذه لمسيرة الكنيسة بعد قيامته وصعوده، ويطمئنهم بأنهم لن يُتركوا وحدهم، بل إن الروح القدس، البارقليط، سيكون حاضرًا معهم، يعزّيهم في الشدائد، ويعلّمهم الحق، ويذكّرهم بكل ما يقوله للكنيسة. إنه إنجيل الروح القدس الذي يقود الكنيسة، ويجعل كلمة المسيح حيّة في القلوب، ويحوّل الخوف إلى رجاء، والاضطراب إلى سلام، والحيرة إلى بصيرة. فالروح القدس هو حضور الله العامل في الكنيسة وفي العالم. في هذا الأحد المبارك، نكرّس لبنان وبلدان الشرق الأوسط وبلدان الانتشار لقلب يسوع الأقدس ولقلب مريم الطاهر. نرحّب بكم جميعًا إخواني السادة المطارنة والكهنة والرهبان والراهبات، وجميع المؤمنين والمؤمنات الحاضرين معنا اليوم في هذا المزار المبارك، مزار سيدة لبنان في حريصا، الذي ترتفع منه الصلوات إلى الله من أجل السلام والخير في العالم. كما نحيّي الذين معنا عبر وسائل التواصل الاجتماعي".

وتابع: "في مناسبة تكريس لبنان وبلدان الشرق الأوسط وبلدان الانتشار لقلب يسوع الأقدس ولقلب مريم الطاهر، نجدّد عهد الثقة والرجاء، ونسلّم أوطاننا وشعوبنا إلى قلب يسوع المفعم بالمحبة والرحمة، وإلى قلب مريم أمنا الحنون، سائلين الله أن يحفظ أوطاننا بنعمته ويغمرها بسلامه ووحدته. لكن يعتصر قلبنا دمًا على الدماء البريئة التي تسقط يوميًّا وتغسل أرض الوطن. ونذكر من بينهم ضحايا الجيش اللبناني، العميد وسام صبره والنقيب إيلي الخوري والجندي حسين عبد العلي غزال، والدكتور جيمس كرم وابنته تيودوسيا وابنه طوني من بلدة القليعة الجريحة. إنّا نعزّي قيادة الجيش، ونصلّي لراحة نفوسهم وعزاء عائلاتهم. يمارس الروح القدس أفعاله الثلاثة من خلال مواهبه السبع: الروح المعزّي يعطينا موهبة القوّة لمواجهة المحن والمعاكسات، الآتية من الداخل أو من الخارج. لا أحد منّا إلّا ويختبر الرياح المعاكسة في حياته وأعماله ومسؤولياته. وحده روح القوّة يشجّعنا على الصمود والصبر والرجاء. الروح المعلّم يمنحنا موهبة المشورة، في كلّ مرّة نتساءل عمّا يجب أن نفعل أو نقول؛ وموهبة العلم عندما نصمت ونتأمّل ونفكّر، باحثين عن حقيقة ما، وعن نور يقود معرفتنا؛ وموهبة الحكمة عندما تستدعي ظروف الحياة أن نتّخذ قرارًا أو موقفًا حاسمًا لقضيّة؛ وموهبة الفهم التي تعضد إيماننا، وتساعدنا في البحث عن جواب على تساؤلاتنا. الروح المذكِّر يفيض علينا موهبة التقوى في لقائنا مع الله عبر الليتورجيّا وأفعال العبادة، بحيث نتذكّر أنّ الرب هنا؛ وموهبة مخافة الله في علاقاتنا مع الناس، وفي تعاطينا شؤون العالم واستخدام خيراته، فنتمّمها وفقًا لمرضاة الله، مخافة الاساءة إليه وخسارة رضاه".

وتابع: "إنّ التكريس عمل كنسي وليتورجي بامتياز، لأن الليتورجيا هي المكان الذي تلتقي فيه الأرض بالسماء، والإنسان بالله، والتاريخ بالخلاص. ومن خلال هذا التكريس نعلن أن أوطاننا ليست خارج عناية الله، بل هي موضوعة في قلب عنايته ورحمته ومحبته. فعندما نسلّم الوطن لقلب يسوع الأقدس، فإننا نعلن أننا نريد دولة تنبض بالحق والعدالة والرحمة والكرامة الإنسانية. وعندما نسلّم الوطن لقلب مريم الطاهر، فإننا نعلن أننا نريد دولة تحمي أبناءها، وتداوي جراحهم، وتحتضن ضعفهم، وتفتح أمامهم أبواب الرجاء. وعندما نسلّم الشرق الأوسط وبلدان الانتشار لهذين القلبين، فإننا نصلّي من أجل شعوب تتوق إلى الاستقرار، ومن أجل أجيال تبحث عن مستقبل آمن، ومن أجل إنسان يتطلع إلى حياة يسودها السلام والكرامة والاحترام المتبادل. إنّ لبنان صاحب حضور في حقل الرسالة. فهو أكثر من أرض وحدود، وأكثر من دولة ومؤسسات، إنه رسالة حرية وكرامة وتعددية وعيش مشترك. هذه الرسالة لا تُصان إلا عندما يبقى أصحاب المسؤولية أوفياء لها، وأمناء على جوهرها، ومدركين حجم الأمانة الملقاة على عاتقهم. ولا يمكن أن يقوم لبنان بهذه الرسالة الفريدة، ما لم تعلنه الأمم المتّحدة دولة حياديّة بمفهومها الإيجابي الناشط".

واردف: "تكريس لبنان وبلدان الشرق الأوسط وبلدان الانتشار لقلب يسوع الأقدس وقلب مريم الطاهر هو إعلان رجاء بأن هذه الأرض، مهما اشتدت عليها المحن، ليست متروكة لمصيرها، بل لها رب نرجع إليه، ولها أم نلجأ إليها، ولها قلبان لا يتوقفان عن النبض بالمحبة والرحمة والشفاعة. ومن هنا نفهم أن التكريس هو مسيرة متواصلة من الإيمان والثقة والتجدد. إنه دعوة لأن تتجدد شعوبنا في الرجاء، وأن تستعيد أوطاننا رسالتها، وأن يبقى الإنسان في هذه المنطقة مؤمنًا بأن الله حاضر في تاريخه، ومرافق لمسيرته، وعامل في قلب معاناته. فحين نسلّم ذواتنا وأوطاننا لقلب يسوع الأقدس وقلب مريم الطاهر، نعلن أن الرجاء أقوى من اليأس، وأن المحبة أقوى من الكراهية، وأن نعمة الله تبقى أقوى من كل ما يواجهه الإنسان من صعوبات وتحديات. وفيما تتواصل المفاوضات والمباحثات والاتصالات على أكثر من مستوى، تبقى الأنظار متجهة نحو أن تنجح هذه الجهود في فتح أبواب الحلول وإبعاد شبح الحرب والتصعيد والمواجهات والهدم والنزوح ووقوع الأبرياء. لقد سئمت الشعوب الحرب ولغة القوة والهيمنة. فالحرب لا تصنع سلامًا، ولا تبني أوطانًا، ولا تؤسس مستقبلًا. أما الرؤية الحكيمة، والقرار المسؤول، والإرادة الصلبة في البحث عن حلول عادلة ومستدامة، فهي التي تفتح الطريق أمام الاستقرار والأمن والازدهار.في مناسبة هذا التكريس المبارك، نرفع صلاتنا لكي يستنير جميع المسؤولين والمفاوضين وأصحاب القرار، في الداخل والخارج، بنور الحقيقة والضمير والمسؤولية الوطنية، فيعملوا لما فيه خير الشعوب واستقرار الأوطان وصون كرامة الإنسان. إنّ هذا التكريس هو موقف إيمان في وجه اليأس، ورجاء في وجه الخوف، وإعلان بأن لهذه الأرض رسالة، ولهذا الوطن دورًا لا يُهمّش. إننا نرجو أن تثمر المفاوضات الجارية نتائج ملموسة تقود إلى الاستقرار، وأن تتغلب لغة الحكمة على لغة التصعيد، لأن الشعوب لم تعد تحتمل المزيد من المعاناة. ويبقى تكريس لبنان والشرق الأوسط لقلب يسوع الأقدس وقلب مريم الطاهر تأكيدًا على أن هذا الوطن وهذه المنطقة ما زال لهما مكان في قلب الله، وما زالت لهما رسالة ينبغي أن تُحفظ وتُصان وتُستكمل".

وختم الراعي: "فلنصلِّ، أيها الإخوة والأخوات الأحبّاء: أيها الرب يسوع، يا صاحب القلب الأقدس، نضع بين يديك لبنان وبلدان الشرق الأوسط وبلدان الانتشار، وكل إنسان يتألم، وكل عائلة تنتظر، وكل شاب يبحث عن مستقبل أفضل. ويا مريم العذراء، يا سيدة لبنان، يا أم الكنيسة وأم الرجاء، نكرّر اليوم عهدنا لك، ونجدّد ثقتنا بشفاعتك، ونضع أوطاننا وأبناءها تحت حمايتك. فاحفظي لبنان في رسالته، وثبّتي الشرق الأوسط في رجائه، وباركي أبناء الانتشار أينما وجدوا، ليبقوا شهودًا للمسيح وللكنيسة وللقيم التي حملوها معهم إلى العالم.

واجعل يا رب من هذا التكريس ينبوع نعمة جديدة لشعوبنا، ومن قلبك الأقدس وقلب أمك الطاهر ملجأً لكل متعب، وعزاءً لكل متألم، ورجاءً لكل من ينتظر فجرًا جديدًا من السلام والكرامة والاستقرار. لك المجد إلى الأبد، آمين".

نبيل الحاج: وفي ختام القداس، ألقى المطران نبيل الحاج كلمة شكر فيها للراعي تلبيته الدعوة السنوية للمشاركة في هذا الاحتفال، وعلى مواكبته الدائمة لهذه المسيرة الروحية. ثم وقف الجميع بخشوع للمشاركة في قراءة فعل التكريس، مجدّدين تسليم لبنان وبلدان الشرق الأوسط والانتشار إلى قلب يسوع الأقدس وقلب مريم الطاهر، في مشهد إيماني جامع ارتفعت فيه الصلوات من أجل السلام والرجاء والاستقرار.

وعند انتهاء القداس والاحتفال بالتكريس، حلّقت طوافة تابعة للجيش فوق باحة مزار سيدة لبنان في حريصا، ونثرت الورود على المؤمنين المحتشدين في المزار، في مشهد احتفالي مفعم بالفرح والرجاء. وقد شكّل هذا المشهد تعبيرًا رمزيًا عن البهجة الروحية التي رافقت تجديد تكريس لبنان والشرق الأوسط وبلدان الانتشار لقلب يسوع الأقدس وقلب مريم الطاهر، فيما ارتفعت القلوب بالصلاة والشكر، متشبثةً برجاءٍ لا تُطفِئُه العواصف، ومجدّدةً إيمانها بأنّ لبنان سيبقى أرض رسالةٍ وشهادةٍ وحضور، مهما اشتدّت التحديات وتعاظمت المحن.

وفي لحظةٍ اتّسمت بالخشوع والرجاء، بدا فعل التكريس أكثر من صلاة جماعية، إذ شكّل إعلانًا متجدّدًا للثقة بالله وسط التحوّلات التي تعصف بالمنطقة، وتأكيدًا على أن لبنان مدعوّ إلى البقاء وطن الرسالة والحرية والشهادة للعيش المشترك. ومن حريصا، حيث ترتفع الصلاة على مرأى البحر والجبل، تجدّد الوعد بأن يبقى الرجاء أقوى من الخوف، وأن تظلّ رسالة لبنان الروحية والإنسانية شعلة نورٍ لا تنطفئ في الشرق والعالم.