غبطة البطريرك مار لويس روفائيل ساكو في لقاء مع "الأخبار": على الشرقيين أن ينتهزوا الفرص لبناء دولة حديثة ديموقراطية...دولة المواطنة والمساواة

حاوره: إيلي مجاعص

في إطار جولته على المناطق الكندية، خصّ غبطة البطريرك مار لويس روفائيل ساكو، بطريرك الكلدان الكاثوليك في العراق والعالم، جريدة "الأخبار" بزيارة قصيرة، جال خلالها على مكاب الجريدة، وأجرى لقاء مع رئيس التحرير الزميل إيلي مجاعص، وكشف عن اسمه في لائحة كبار الزوار.

وكان هذا الحوار المثمر.

أهلا وسهلا بكم غبطة البطريرك في مكاتب جريدة "الأخبار" وعلى صفحاتها.

  • ما أهداف زيارتكم إلى كندا؟

الهدف الأول من الزيارة هو تطويب سيادة المطران ياهو، مطراناً جديداً في تورنتو وعموم كندا، حيث تم نقل المطران السابق إلى سانتياغو، وكانت فرصة أيضاً لزيارة رعوية لمعظم رعايانا في كندا.

وقبل ثلاث سنوات جئت بزيارة خاطفة أثناء رحلتي إلى ديترويت لرسامة أسقف جديد. وهذه المرة كان لدي متسع من الوقت للقاء الكهنة والاستماع إلى آرائهم ومقترحاتهم والرد على أسئلتهم.

  • لقد زرتم عدة مناظق في كندا، مثل العاصمة وتورنتو وفانكوفر وغيرها. بمن اجتمعتم من المسؤولين الكنديين؟ وما موضوع المباحثات؟

كانت لقاءاتي مع البرلمانيين الكنديين، وأيضا مع الخارجية الكندية لدعم المصالحة السياسية. ففي هذا الشرق إصلاحات سياسية وثقافية واجتماعية وكلها مرتبطة مع بعضها البعض. والتغيير في الفكر الثقافي الذي هو منذ 14 قرنأ كان منغلقاً وليس منفتحا على المعاصرة. وكذلك دعم الحضور المسيحي في الشرق، وهو حضور تاريخي. فهذه الأرض هي أرضنا قبل أن تكون لغيرنا، وكذلك ترسيخ العيش المشترك والاتجاه نحو التقدم.

  • وهل تلقيتم آذاناً صاغية لدعم المسيحيين في الشرق؟ أم بقيت كلها في إطار الوعود والآمال؟

أحسست أن هناك رغبة حقيقية للقيام بأفعال ملموسة بالنسبة لسهل نينوى والموصل التي دمرها "داعش"، وأيضاً لمساعدة الحكومة العراقية للقيام بإصلاحات وتعزيز احترام حقوق الانسان كما هي في الغرب. الانسان، أيا كان دينه أو مذهبه أو انتماؤه. فلماذا هذه الازدواجية؟ اليوم أصبح العالم قرية صغيرة، وحقوق الانسان ليست لفرد واحد بل هي للكل. وأعتقد أن هناك رغبة في هذا الموضوع. ويبقى على الشرقيين أن ينتهزوا هذه الفرص لبناء دولة حديثة ديموقراطية، دولة المواطنة والمساواة، وألا تكون أية حواجز بين إنسان وآخر على أساس ديني أو مذهبي أو عرقي.

  • أين تتركز الجاليات الكلدانية في كندا؟ وكم عددها؟

مركز الأبرشية في تورنتو والأعداد كبيرة جدا، وكذلك في وندسور وفانكوفر وساكتشوان، وهناك أيضاً بعض العائلات في مختلف أرجاء كندا. وأعتقد أن العدد هو بين 30 و40 ألفاً من المؤمنين الكلدانيين في كندا.

  • هل جميع الكلدان هم من أصول عراقية؟ وهل تعتبر مناطق العراق هي الحاضن الأكبر لهذه الرعايا؟

الغالبية الساحقة هي من أصول عراقية، وهناك سوريون وإيزيديون، كما هناك أقلية تركية ولبنانية.

  • كيف تعاملتم مع نتائج الهجمات الارهابية على الكنائس والمجمعات السكنية في مناطق العراق؟ وهل تسببت الهجمات بكثيير من الضحايا؟

الهجمات لم تكن فقط ضد المسيحيين، وخاصة من "داعش" وغيرها، بل كانت ضد كل من لم يكن مع هذا الفكر. المسيحيون والايزيديون والسنة والشيعة. لكن الضرر على المسيحيين كان أكبر، كونهم لم يكونوا طرفاً في هذا الصراع، وكانوا دائما مسالمين وولاؤهم للدولة العراقية والوطن والتمسك بالأرض.

ونشكر الله لم يكن هناك ضحايا بشرية ولا انتهاكات ضد المسيحيين. ولكن حدثت ضد الايزيديين فسبيت نساؤهم وأطفالهم. هناك أضرار كبيرة جدا في الجانب المادي للقرى التي دمرت وكذلك معظم الكنائس التي انتهكت حرماتها وسرقت منها الأبواب والشبابيك، حتى المرمر فقد انتزع من الجدران. فقد "تبهدلت" الكنائس، ودمرت بناها التحتية، وعاش الناس ثلاث سنوات في حالة خوف على مستقبلهم ومستقبل أولادهم وأملاكهم وضمان عودتهم الى بلداتهم وإعادة بناء الثقة مع الجيران الذين سرقوا بيوتهم وأموالهم.

  • الهجرة المسيحية من الشرق واسعة جدا، وخصوصا من العراق. كم بلغت أعداد المهاجرين؟ وما الدور الذي تقومون به لتثبيت المسيحي في أرضه؟

كان العدد حوالي مليون ونصف قبل السقوط. والآن لا يوجد إحصاء دقيق، وهناك تقريبا نصف مليون باقون في ديارهم. العائلات انقسمت وعملية لم الشمل تشجع الهجرة، وهناك حالات دفعت الناس إلى الهجرة مثل الشعور بالغبن والاجحاف. مثلا، البطاقة الموحدة، والقانون 26 والتهميش في الوظائف والمشاركة في العملية السياسية، علما أن هناك رسميا خمسة نواب مسيحيين وبعض الحضور في الدوائر لكنهم يشعرون بتهميش حقوقهم كمواطنين من غير المسلمين، وكأنهم مواطنون من الدرجة الثانية. ولا يجوز تصنيف الناس على أساس ديني أو مذهبي أو عرقي. بصراحة، في المستقبل، يجب فصل الدين عن الدولة، ولا يجوز، ونحن في القرن الحادي والعشرين، تشريع قوانين كانت في القرن السابع.

  • هل تمّ القضاء فعلا على "داعش" في العراق، أم مازالت هناك بقايا خلايا تهدّد الأمن؟

جغرافيا تقريبا "داعش" انتهى، ولكن فكريا وإيديولوجيا لا يزال, وبالتأكيد هناك خلايا نائمة. والحاجة الآن إلى دولة قوية واستخباراتية حتى تقضي على هذا الفكر. وأعتقد أنه عسكريا قضي على "داعش". وهناك حاجة لإصلاح برامج النعليم والتربية الدينية والوطنية. فهناك نصوص تكفّر الآخر، وهناك خطابات توتر السني ضد الشيعي والمسلم ضد المسيحي. الفكر لا بد أن يتغير، ويجب الانفتاح على الآخر واحترامه. الله خلقنا مختلفين فلماذا نقف باتجاه معاكس ضد إرادة الله. الاسلام يقول "لا إكراه في الدين"، فأين ذلك مما يجري في سيناء وفلسطين واليمن؟ إذا لم يغيّر العرب والمسلمون عقليتهم، فلا مستقبل لهم، بل حرب وراء حرب.

  • أين تتوزع الكنائس الكلدانية حول العالم؟

كأرض وتاريخ، هي بلاد ما بين النهرين. العراق وإيران. كنا في القرون الوسطى 220 أبرشية، ووصلت الأبرشيات إلى الصين. كان عدد المسيحيين المشرقيين آنذاك حوالي 80 مليونا. ونحن لا زلنا في العراق الأغلبية. هناك في أميركا 30 ألفا، وفي كندا 40 ألفاً، وفي أستراليا 50 ألفاً، وفي أوروبا 250 ألفا، وهذا يعني تشتت النخب الفكرية ورؤوس الأموال كلها أصبحت في الخارج.

  • كيف ترون أوضاع الرعايا الكلدان في مختلف المناطق الكندية؟ وماذا تأملون منهم؟

في بلاد الاغتراب، هناك نوع من الاستغراب. لا يعرفون المحيط ولا المجتمع ولا اللغة. يعيشون على المساعدات. أما الباقون فقد اندمجوا في المجتمعات وأصبحوا أصحاب معامل ومصالح، والمطلوب منهم، أن يتقيدوا بتقاليدهم المسيحية ويلتفوا حول الكنيسة والعائلة، وأن يبتعدوا عن السلبيات وأن يمارسوا طقوسهم الدينية ويعيدوا النظر في إيمانهم، وهذه رسالتي لهم، وأن يحافظوا على لغتهم الكلدانية الأم. فالروابط تضعف بتأثير اللغة. وإذا لم نمتلك الوعي والثقافة لا يمكننا أن نقارن بين هذا الدين وذاك. نحن لا يمكننا أن نعيش بدون عائلة، فالعائلة هي الأساس.

  • هل من مشروع لدمج الشباب والمهاجرين المسيحيين ليبقوا مرتبطين بالكنيسة وبالتقاليد والعادات؟

نعمل الكثير من أجل ذلك، من خلال لقاءاتنا. ونفتقر إلى الاعلام القوي، الاعلام هنا ضعيف، بحاجة إلى راديو وتلفزيون لنشر المطلوب. اليوم في العراق أبسط حزب لديه قناة تلفزيون أو أكثر، وكذلك رجال الدين فعالين جدا. وليس لدينا حلول فعلية إلا أن نربط كل الناس المبعثرين وخصوصا الشباب الذين لا وقت لديهم للتفرغ للكنيسة، هناك الكثير من التحديات والمخاطر.

على المسيحيين أن يتوحدوا لبلورة الواقع ووضع خارطة طريق للمستقبل.

  • أين نحن من وحدة المسيحيين؟

نتكلم كثيراً عن واقع الايمان والعقيدة، المشكلة في الانغلاق. لننظر إلى البلدان العربية والاسلامية، هناك رابطة الدول الاسلامية، لماذا لا يكون هناك رابطة كنائس الشرق الأوسط؟ الفعل والتأثير محدود، وأعتقد أن العلاج أو الخلاص لا بد أن ينبع من داخلنا حتى نرى الجرح ونداويه مع بعضنا.

  • كيف تنظرون إلى الحوار المسيحي الاسلامي، لا سيما وأنكم تحملون شهادة ماجستير في الفقه الاسلامي؟

أنا مؤمن بالحوار. وهناك مجال كبير للحوار، ولكن المؤسف أن المبادرة هي من الجانب المسيحي، الطرف الآخر يشعر وكأنه يمتلك كل الحقيقة. لكي يكون الحوار مثمراً يجب الاعتراف بالآخر وقبوله من الطرفين، وبدون حوار لا يتحسن الوضع، وعلى المسلم ان يعرف المرجعيات المسيحية وعلى المسيحي أيضاً أن يعرف حتى نتمكن من العيش معاً وجنياً إلى جنب. وهذا يساعد الحوار لكي نخرج من الأحكام المسبقة التي ربما تكون بعيدة عن الحقيقة. من الضروري جدا التعرّف على الآخر عن كثب لمعرفة جوهره.

  • ما رسالتكم إلى أبناء الشرق عبر جريدة "الأخبار"؟

هي أرضنا وحضورنا ووجودنا هناك، رسالة وشراكة كما قيل، علينا أن نتعلم الدرس من آبائنا الذين بذلوا الغالي والنفيس من أجل البقاء في أرضهم والتمسك بعقيتهم. وجودنا هو شهادة صدق وإخلاص واحترام لحقوق الآخر وتفعيل السلام والاستقرار، وكل هذه العناوين الكبيرة مهمة لبقائنا أمام عقلية الانتقام والثأر والعنف.

News this week