الحداثة والدين والأغطية السميكة

هل لكلّ مجتمعٍ حداثته الخاصّة به أم أنّ الحداثة ترتبط حصراً بالمجتمعات الغربيّة؟ هل أنّ المجتمع العربي يسير فعلاً في طريق الحداثة أم هو سعيد فوق جادات التحديث في معظم العصور؟ ما هو الفرق بين مجتمعٍ حديث ومجتمع معاصر أو بين مجتمعٍ قديم ومجتمعٍ جديد؟ هل يمكننا في الألفيّة الثالثة بناء مجتمعات جديدة على أساسٍ من أعمدة الدين؟ هل تقاس حداثة المجتمعات العربيّة، نسبةً الى حركات التحرّر والتقدّم والثورات العربيّة المجهضة أم بالنسبة للثورات العالمية المعروفة في التاريخ؟

هل يفترض أن يحقّق المسلمون ثوراتهم عبر تقليد الثورة الفرنسية أو الأميركية أو غيرها، وأين تقع في المجال الحركات الدينية والطائفية التي دمّرت الكثير من بلدان الشرق العربي وأغرقتها بالعصبيات؟

والسؤآل الأكبر هم: هل تقوم الحداثة على الأديان والعقائد الثابتة أم على النقيض من ذلك؟

لست أدّعي،  إمكانيات الإجابة على هذه الأسئلة وأسئلة كثيرة تستهلك اليوم حول حداثة العرب والمسلمين، وإنّما نسهّل الطريق بالإشارة الى نقطتين ذات دلالات:

 

1- التغيير العنيف والدبلوماسي عبر طريق الحرير: كان الكلام عن العروبة، في القرن الماضي، يعني بشكلٍ ما الكلام عن الإسلام. وكانت الكتابة لا تجهد كثيراً في التفريق بين العروبة والإسلام. وكلّ بحثٍ كان يجادل في هذه المسائل بالذات، كان يتعامى تماماً عن الأخطار الجمّة التي كانت تحوق بهذه المنطقة من العالم والتي لم تكن تميّز بين عربي ومسلم. كان إذا مرّ الحديث عن الإسلام كمرادفٍ للعروبة أو على العكس، فإنّ هذا لم يكن يعني أبداً إنتقاصاً أبداً من أدوار الأقليّات العربيّة وحقوقها الإتنيّة والدينيّة في عالمٍ يحتضن المسلمين والمسيحيين وأعداداً من الأقليات لا ضرورة لتعدادها، لأنّ قواميس ومجلّدات لطالما نشرت وأبرزت على رفوف المكتبات ومراكز الأبحاث في هذا المجال القديم والمتجدد.

كانت أرض النبؤآت طوال التاريخ "طريق حرير" ومهبط قدّاسة لعبور الغرب الى الشرق الأقصى والتي أصبحت محطّ كلامٍ سياسي ودبلوماسي وإقتصادي. يعاد رسمها أو إحياؤها من الصين التي يزورها الرئيس الفرنسي ماكرون في سعي أو بحثاً عن طموحات واسعة لإعادة بناء مفاهيم العظمة الدولية في القرن الواحد والعشرين على أنقاض الكثير من الركام وبعث أحلام القوة بمعانيها القديمة. تلك هي الخطى الجديدة المتعثرة بحثاً عن الحرير . يبدو الوجه الأوّل للغرب شرساً حربيّاً طامعاً لا يشبع من إستنزاف خيرات أرضنا، وكان يظهر الوجه الثاني متفوّقاً علمياً نقديّاً الى درجة إصابة العرب بعقدة النقص التاريخية تجاه القيم المعاصرة الزاحفة إلينا من الدنيا والتي لا يمكن تجاهلها أو عدم التأثّر بها لأنّ قيمنا مختلفة ومتجذّرة بالرسالات والقيم السماوية التي تبرز فقر الغرب. إحتلّ الغرب مرتبةً تضجّ بالتحديث والتغيير الدائمين، وكنّا مسكونين بالفتون والتوق الى تلك المناخات التغيرية التي تبهجنا لكننا بقينا كنا نحول دون مجتمعاتنا للخروج من جمودها وتقليديتها حفاظاً وربّما خوفاً على نقاوة الدين ومثله وهرباً من ردود الفعل التي كانت تجمّد ما يعرف بصناعة الوعي. المجتمعات العربيّة والإسلامية لم تكن واحدة لا في الجماعات التي تضمّها ولا في بقايا الأقليات والجماعات غير الإسلامية التي كانت تتلهف إلى الغرب ويتسرّب إليها بأفكاره ومظاهره وصناعاته وحريته وهو الباب الذي شهد يقظات الحركات التحرّرية المستوردة والمحليّة كما أوقد وأذكى نيران المذهبية والطائفية ويقظة الأقليّات من جهة أخرى التي لم تكن نائمة بالطبع.

2- فتون الغرب بالإسلام:  أخذ هذا الغزو الغربي للعالم العربي والإسلامي ميادينه القصوى الفكرية والتاريخية عبر موجات الفتون بالإسلام والمسلمين لا بقيمه بل بثروات أرضه الجوفية. وكان لا يمكنني مثلاً أن أفهم هذا الفتون الفرنسي بالإسلام قبل عقدين من حلول"الربيع العربي". لا يمكن تصوّر عدد الجمعيات والباحثين ومراكز الأبحاث والمستشرقين، كما لا يمكن إحصاء الندوات والأنشطة الثقافية والتبجيل التي كان يمكن للباحث أن يصادفها في أوروبا التي فتحت أضلعها إعجاباً بالإسلام والمسلمين. كانت باريس تضجّ إحتفاءً بالإسلام والمسلمين وكنت أرى هذا الإحتفاء نوعاً من الإنجذاب الكبير المتزايد الى البترول ورؤوس الأموال وتكديس الثروات تحت يافطة جديدة هي الإسلام. مثال سريع على ذلك:

سيارات القطريين الفارهة التي تركن بالعرض في جادة الشانزيلزيه في باريس التي شاءها نابليون بونابرت قبل ال1789 بعرض 33 متراً يجتازها للمرور تحت قوس النصر. لن أذكر ما سمعته من بعض الفرنسيين حول هذا الإجتياح وغيره من الإجتياحات لأوروبا "الفقيرة". أقلّه أن نابليون بونابرت لا يرضى بذلك...

وفي إعتقادي أنّ أمرين كبيرين كتبت فيهما الكثير من الدراسات، شجّعا هذا الفتون بأوجهه المتعدّدة:

الأوّل: إنفجار الحروب الأهليّة اللبنانيّة بدءأً من العام 1975 والتي تداخلت فيها معظم الأطراف الإقليمية العربيّة والإسلامية والدوليّة وكانت فرنسا هي الوجهة الأقرب والأكثر دفئاً بالنسبة لفرنسا ودول الغرب. كان لبنان يعتبر النافذة أو المحطّة الباقية التي تبدو فيها الثقافة نمط حياة يرتاح إليها الأجنبي. كانت تلك الحروب كفيلةً برفع الأغطية عن عالمٍ من الضغينة والأحقاد الطائفية والمذهبية التي تنتظر تفجير العروبة وبعض المجتمعات الإسلامية من داخل.

الثاني: إنتشر هذا المناخ الديني والطائفي الجديد والحامل للكثير من بذور التغيير في الأرجاء، ليأخذ حجمه العالمي التي لم تفك أو ترتح رموزه عبر قيام ثورة إيران الإسلامية بعد طرد الشاه وعودة الإمام الخميني 1979 حيث بات العالم بأسره مركّزاً عقله وبصره وذكاءه على فعالية الدين الإسلامي وقدرة الإنتماء الى السماء في قلب الأنظمة وفتح تلك البقعة من الأرض على الكثير من الصراعات والمذابح المتنوّعة الأهداف والمصالح.

تساعدنا هاتان الملاحظتان/النقطتان في الإضاءة السريعة على دور الحروب في إختبار بضاعات الأفكار والمقتنيات والأزياء الى جانب الضحايا والخرائب والركام في أرض العرب والإسلام. قد لا يمكن حصر أو إحصاء حجم المكتوب أو المقال بلغات العالم كلّها حول حروب لبنان وثورة إيران كمثلين تأسيسيّن للوصول الى  كوارث"الربيع العربي" الذي حمل أقصى الشراسة في هويّات الحروب المتنوّعة كلّها متجاوزاً ما تختزنه القواميس من تعريفات. لكنّ الغالبية من أهل هذه البلاد ما زالوا يتدثّرون بأغطيةٍ تقيهم شموس التغيير وهي أغطية سميكة لا يمكن رفعها بإنتظار الزمان يصنع الوعي المتآكل، بل بأجيال طوّعت الصحاري وخبرت الغرب وهي واعدة لا يخيفها التغيير ولا تخشى النور.

News this week